بوابة الشروق, ثقافة 20 فبراير، 2026

رشحت رواية فى «سرّ الزعفرانة» للكاتبة بدرية البشر والصادرة عن دار الشروق للقائمة القصيرة للدورة العشرين لجوائز الشيخ زايد للكتاب، فى تأكيد جديد على حضورها اللافت فى المشهد الروائى العربى.
وفى هذه الرواية، تفتح الكاتبة السعودية بدرية البشر بابًا سريًا على تاريخ غير مكتوب للمرأة، تاريخ يتشكل فى العتمة قبل أن يطلّ على النور. رواية تنسج خيوطها بين البداوة والقرية والمدينة، وبين الحرية والاستعباد، والمعرفة والخوف، عبر علاقتين إنسانيتين شديدتى التعقيد بين امرأتين جمعهما القدر واختلفت مصائرهما. فى هذا الحوار، تتحدث بدرية البشر عن كواليس كتابة روايتها الخامسة، وعن التجربة الإنسانية والوجدانية التى قادتها إليها، وعن جرأة الكتابة بوصفها فعل مقاومة، ورحلة المرأة السعودية فى البحث عن صوتها، إلى جانب حديثها عن تعاونها مع دار الشروق.

* فى البداية.. نودّ أن نتحدث عن روايتك «سر الزعفرانة» وكواليس ولادة الفكرة؟

– «سرّ الزعفرانة» هى روايتى الخامسة، وأعتبرها تجربة خاصة جدًا فى مسيرتى، لأنها جاءت بعد «حبسة كاتب»، عانيت فيها من عدم قدرتى على القراءة والكتابة تمامًا. هذه العزلة القسرية دفعتنى إلى نوع من الغوص الداخلى، ومحاولة إعادة اكتشاف نفسى من جديد: من أنا؟ وحاولت أن أفهم كيف أسخر هذه التجربة فى رواية.

* هل هناك اى تشابه بين تجربتك وتجربة البطلات؟

– لم أكتب الرواية بوصفها سيرة ذاتية، فالكتابة الروائية دائمًا ما تختلف عن التجربة الشخصية المباشرة. اخترت بطلة بعيدة عنى زمنيًا ومكانيًا، إذ تبدأ الرواية فى عام 1930، فى حقبة تاريخية مختلفة تمامًا عن حياتى. ومع ذلك، اكتشفت بعد الانتهاء من الكتابة، وليس قبلها، أن الرواية كانت تعبيرًا عن ولادة المرأة فى السعودية، ورحلتها من قيم البداوة، إلى القرية، ثم إلى المدينة. وشعرت وكأنى عبرت تاريخ المرأة.

* من هى الزعفرانة.. وما سرّ حضورها فى الرواية؟

– الزعفرانة شخصية محورية فى الرواية، وهى امرأة سوداء مستعبدة، تم اختطافها فى طفولتها، لكنها فى الوقت نفسه تحمل معرفة عميقة بالعلوم الباطنية، والأعشاب، والتطبيب، والنجوم. هى التى احتضنت «نفلة»، المرأة البدوية الحرة، وربّتها روحيًا، وفتحت لها أبواب المعرفة الداخلية.
العلاقة بين نفلة والزعفرانة علاقة قدرية، وكأنها إشارة رمزية إلى أن النور لا يكتمل دون الظل، وأن فى العتمة تكمن الأسرار. الزعفرانة، رغم كونها مستعبدة، كانت هى المعلمة، والمرشدة، وصاحبة الحكمة. ومن خلالها وُلدت نفلة من جديد، واكتشفت شجاعتها وقدرتها على الانتقال من البداوة إلى المدينة، ثم إلى المعرفة والكتابة.

* إلى أى مدى حضرت تجربتك الشخصية داخل «سرّ الزعفرانة»؟

– أنا دائمًا أقول إن الكاتب لا ينوى أبدًا أن يكتب عن نفسه، لكنه بعد الانتهاء من العمل يكتشف أن أشياء كثيرة تسقط من اللا وعى إلى النص. لا يمكن لأى بطل روائى ألا يأخذ شيئًا من كاتبه، حتى لو لم يكن الكاتب واعيًا بذلك.
ربما تكون نفلة، فى سعيها الدائم للاستنارة، وفى كفاحها من أجل أن تتحقق كامرأة، قريبة منى فى بعض الجوانب. لكن هذه الرحلة فى الحقيقة تشبه رحلة نساء كثيرات، لا تخصنى وحدى. هى رحلة الخروج من الظلال إلى النور، ومن الصمت إلى الصوت.

* الرواية تحمل قراءة واضحة لمراحل تشكّل المرأة السعودية.. هل كان ذلك مقصودًا؟

– لم تكن هناك نية مسبقة أو مشروع فكرى معلن أثناء الكتابة. لكن بعد أن انتهيت، شعرت وكأننى كتبت تاريخًا غير رسمى للمرأة السعودية، تاريخًا إنسانيًا ووجدانيًا، لا سياسيًا. كيف تشكّلت المرأة عبر التحولات الاجتماعية، وكيف حملت داخلها تناقضات البداوة والقرية والمدينة، وكيف سعت دائمًا إلى المعرفة رغم القيود.

* برأيك.. هل أصبحت المرأة اليوم أكثر قدرة وجرأة على التعبير عن ذاتها.. وهل كان من الممكن نشر «سرّ الزعفرانة» قبل عشر سنوات؟

– الكتابة فى حد ذاتها فعل شجاع، وبالنسبة للمرأة فهى شجاعة مضاعفة. التعبير يعنى امتلاك صوت، والمرأة فى العالم العربى عانت طويلًا من الصمت القسرى. مرت علينا فترات سيطرت فيها الأصوات المتشددة، وكانت المرأة أكثر الضحايا، لأنها دائمًا تُعتبر الحلقة الأضعف والأسهلللاستهداف.
فى تلك الفترات تراجعت أصوات نسائية كثيرة، وبعض الكتّاب لجأوا إلى الرمز أو الصمت خوفًا. أنا شخصيًا لم أتوقف عن الكتابة، لكن لا يمكن إنكار أن هذه الأجواء أثّرت علينا نفسيًا وإبداعيًا. الأدب يحتاج إلى أمان، إلى عقل بارد وقلب دافئ، كما يقول ماركيز، يحتاج إلى غرفة دافئة ومعدة ممتلئة، ماديًا ونفسيًا. والكاتبة تحديدًا تحتاج إلى الحرية والأمان، وهذان لم يكونا متاحين دائمًا.

* لو طُلب منك وصف «سرّ الزعفرانة» فى جملة واحدة، ماذا تقولين؟

– أقول إنها رواية عن الاستنارة عن البحث عن النور.

زيارة مصدر الخبر