فى عرضٍ مثل «أولاد البطة السودا» لا يمكن للناقد أن يكتفى بالحديث عن حكاية تُروى على الخشبة، لأننا هنا لا نواجه نصًا مسرحيًا تقليديًا يبدأ من عقدة وينتهى بحل، بل نواجه حالة اجتماعية كاملة تُفرَش أمام المتفرج، كما لو أن المسرح قد تحول إلى مرآة كبيرة يرى فيها المجتمع ملامحه المشروخة، وأقنعته، وخوفه المزمن من المختلف. ومنذ اللحظة الأولى يدرك المتلقى أن العرض لا يريد أن يكون مجرد فرجة مسرحية عابرة، بل يسعى إلى تفكيك بنية اجتماعية كاملة تقوم على صناعة «البطة السوداء»، أى ذلك الكائن الذى يُدفع خارج الجماعة فقط لأنه مختلف، لا لأنه مذنب.يحمل عنوان العرض كثافة رمزية شديدة الذكاء، إذ يستدعى بشكل غير مباشر إرث حكاية هانزكريستيان أندرسون الشهيرة «البطة القبيحة»، لكنه يعيد توطين الرمز داخل الواقع المصرى المعاصر، ليصبح المختلف هنا هو الفقير، أو المرأة، أو صاحب البشرة المختلفة، أو المهمَّش طبقيًا، أو المنتمى إلى جغرافيا اجتماعية بعينها، أو حتى الإنسان الذى يرفض الامتثال للنسخة الجماعية الجاهزة. ومن هنا تتحول المسرحية إلى ما يشبه تشريحًا فلسفيًا لفكرة «الإقصاء» بوصفها أحد أكثر الأمراض الاجتماعية رسوخًا فى بنية الوعى الجمعى.لقد نجحت المخرجة والدراماتورج عبير على حزين فى بناء عرض شديد السيولة، يتجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس المسرحية، فلا يعود المشاهد قادرًا على الفصل بين الحكى والتمثيل، والغناء والاستعراض، والمايم والفيديو آرت، لأن كل هذه العناصر تتحرك داخل جسد مسرحى واحد ينبض بإيقاع متوتر وحيوى. والأهم أن عبير على حزين لم تتعامل مع التعدد الفنى بوصفه استعراضًا تقنيًا، بل بوصفه ضرورة جمالية وفكرية، فالمجتمع الذى يناقشه العرض مجتمع متشظٍّ، متعدد الأصوات، متضارب الإيقاعات، ولذلك جاء الشكل المسرحى نفسه انعكاسًا لهذا التشظى وهو شكل «البورلسك» الذى تقدمه الآن عبير حزين لأول مرة على خشبة المسرح المصرى والعربى، وهو ما سنتناوله فى السطور التالية بالجزء الثانى من هذا المقال، ونقدم تحية خاصة للمخرجة، كونها الآن هى رائدة فن البورلسك فى مصر والوطن العربى.وبالعودة للعرض المسرحى نجد أن واحدة من أهم نقاط القوة فى العرض تكمن فى قدرته على الإمساك بخيط رفيع بين الكوميديا السوداء والألم الإنسانى. فالعرض يضحك جمهوره كثيرًا، لكنه ضحكٌ مُرّ، أقرب إلى الضحك الذى يسبق الاعتراف بالهزيمة النفسية. وهنا تظهر براعة البناء الدراماتورجى، إذ لا تتحول السخرية إلى تهريج، بل تبقى أداة نقد اجتماعى تكشف هشاشة الواقع وتناقضاته. فحين يسخر العرض من الهوس باللغة الإنجليزية بوصفها علامة طبقية، أو من التصنيف الجغرافى بين «فيصل» و«مدينتى»، فإنه لا يسخر من الأفراد بقدر ما يفضح الآلية النفسية التى يصنع بها المجتمع طبقاته الوهمية.كما أن العرض يمتلك شجاعة نادرة فى الاقتراب من المناطق الحساسة داخل البنية الاجتماعية المصرية، خصوصًا ما يتعلق بالطائفية، والتنمر، والعلاقة بين الرجل والمرأة، والازدواجية الأخلاقية التى تحكم نظرة المجتمع إلى الجسد الأنثوى. لكنه يفعل ذلك دون شعارات مباشرة أو خطاب أيديولوجى فج، بل عبر مشاهد قصيرة تبدو أحيانًا مثل ومضات إنسانية مكثفة. وهذه من أصعب التقنيات المسرحية، لأن المسرح القائم على الاسكتشات والنمر السريعة غالبًا ما يسقط فى التفكك، بينما استطاع «أولاد البطة السودا» الحفاظ على وحدة شعورية وفكرية تربط كل هذه المشاهد بخيط فلسفى واحد: لماذا يخاف الإنسان من المختلف؟أما بصريًا، فقد قدّم العرض واحدة من أكثر التجارب السينوغرافية ذكاءً فى المسرح المستقل المعاصر. فالديكور الذى صممه عبدالله محروس بمساعدة راما القدور لم يكن مجرد فضاء تُؤدَّى داخله الأحداث، بل كان جزءًا من المعنى نفسه. الصناديق القابلة للكسر، والسلالم الخشبية، والنوافذ المغلقة، كلها تحولت إلى استعارات بصرية عن هشاشة المهمشين داخل مجتمعٍ يدفعهم دائمًا نحو الحواف. لقد بدا المسرح أحيانًا كأنه مخزن للبشر المنسيين، أو أرشيف للأرواح المكسورة.ويُحسب لتصميم الفيديو، الذى قدّمه محمد مغربى، أنه لم يقع فى فخ الزينة البصرية المجانية، بل أصبح امتدادًا عضويًا للخطاب المسرحى. فالاستعانة بمقاطع لـMuhammad Ali وهو يتحدث عن العنصرية لم تكن مجرد إحالة ثقافية، بل كانت محاولة لربط المحلى بالإنسانى الأشمل، وكأن العرض يقول إن مأساة المختلف ليست مصرية فقط، بل قدرٌ إنسانى يتكرر بأشكال متعددة عبر التاريخ. وكذلك الأمر فى توظيف مشاهد من فيلم «الخيط الرفيع»، حيث تحوّل التناص السينمائى إلى أداة لكشف ازدواجية المجتمع الذكورى.أما الإضاءة التى صممها محمد عبدالمحسن فقد لعبت دورًا بالغ الأهمية فى بناء المناخ النفسى للعرض. كانت الإضاءة تتحرك أحيانًا كأنها شخصية خفية داخل العمل، تنتقل بين الحميمية والقسوة، بين العتمة والانكشاف، لتؤكد أن الشخصيات كلها تعيش داخل دائرة مراقبة اجتماعية لا ترحم. كما أسهمت كاميرا «اللايف» التى تولّاها حسام الهادى فى خلق حالة من التداخل بين الواقعى والمسرحى، بحيث يشعر المتفرج أن ما يراه ليس تمثيلًا خالصًا، بل جزءًا من حياته اليومية المباشرة.وفيما يتعلق بالأداء التمثيلى، فإن العرض يقدّم درسًا مهمًا فى مفهوم البطولة الجماعية. لا يوجد نجم أوحد يحتكر الضوء، بل هناك جسد جماعى يتحرك بتناغم نادر. وقد نجح كل من محمد عبدالمعز وجيمى عبدالناصر وهمس شاكر وولاء الجندى فى تقديم أداء يعتمد على المرونة الانتقالية بين الكوميديا والوجع الداخلى. لم تكن الشخصيات تُقدَّم بوصفها نماذج جامدة، بل ككائنات بشرية مرتبكة، تحمل هشاشتها فوق الخشبة.أما فرح رجب ومحمد على حزين فقدما واحدًا من أكثر مستويات الأداء اكتمالًا داخل العرض، بسبب قدرتهما على الجمع بين الحكى والتمثيل والغناء دون افتعال. لقد بدا حضورهما وكأنهما يتحركان داخل منطقة بينية لا تفصل بين الأداء الدرامى والأداء الموسيقى، وهو أمر يحتاج إلى حساسية مسرحية عالية.وفى الجانب الغنائى، لعب كل من أحمد على ودينا حمادة وشريف ذكى دورًا محوريًا فى الحفاظ على الإيقاع العاطفى للعرض، خصوصًا أن الأغانى لم تكن مجرد فواصل، بل جزءًا من السرد المسرحى نفسه. جاءت الأغنيات الشعبية مثل «أسمر أسمر طيب ماله» محمّلة بدلالات عنصرية واجتماعية عميقة، لتتحول الأغنية الشعبية من مادة للبهجة إلى وثيقة اجتماعية تكشف تحيزات الوعى الجمعى.ولا يمكن إغفال الدور المهم للعازفين محمد موندى ومصطفى اللمبى ووديع، الذين لم يكتفوا بمرافقة العرض موسيقيًا، بل شاركوا فى صناعة حالته النفسية. الموسيقى هنا ليست خلفية، بل نبضٌ درامى يتحرك مع الشخصيات ويكشف ما تعجز الكلمات عن قوله.أما الاستعراضات التى صممها على جيمى فقد امتلكت قدرة واضحة على ترجمة التوترات الاجتماعية إلى حركة جسدية. لم تكن الرقصات منفصلة عن المعنى، بل كانت أحيانًا أكثر تعبيرًا من الحوار نفسه، خصوصًا فى المشاهد التى يتحول فيها الجسد إلى مساحة للصراع مع القمع أو التنمر أو العزلة. وكذلك جاءت مشاهد المايم التى صممها مصطفى حزين شديدة الكثافة، وكأن الصمت نفسه صار لغة احتجاج.ويستحق فريق الإخراج المساعد، الذى ضم مانا مراد وإيهاب نعمان ودينا حمادة وشريف زكى، تقديرًا واضحًا على نجاحهم فى الحفاظ على هذه الحالة الجماعية المعقدة، بينما لعب أحمد شمس دورًا مهمًا كمخرج منفذ فى ضبط الإيقاع التنفيذى للعرض.وإذا كان العرض قد نجح، فنيًا وفلسفيًا، فلأنه انطلق من فهم عميق لطبيعة المسرح بوصفه فعلًا اجتماعيًا، لا مجرد وسيلة ترفيه. فالمسرح هنا لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح الجرح ويتركه مكشوفًا أمام الجمهور. إنه عرض عن القسوة اليومية التى يمارسها الناس دون أن يشعروا، عن التنمر الذى يتحول إلى ثقافة، وعن الإنسان الذى قد يصبح «بطة سوداء» فقط لأنه لا يشبه القطيع.وربما تكمن القيمة الحقيقية لـ«أولاد البطة السودا» فى أنه يعيد للمسرح المصرى واحدة من أهم وظائفه التاريخية: أن يكون مساحة للتفكير النقدى والاشتباك مع الواقع. ففى زمنٍ أصبحت فيه السرعة والاستهلاك البصرى يلتهمان المعنى، يأتى هذا العرض ليذكّرنا بأن المسرح لا يزال قادرًا على إيقاظ الأسئلة النائمة داخلنا.إنه عرض لا يكتفى بأن يُشاهَد، بل يُعاش، عرض يخرج منه المتفرج وهو يشعر أن «البطة السودا» ليست شخصًا آخر بعيدًا عنه، بل ربما تكون جزءًا خفيًا بداخله هو نفسه.
ثقافة, جريدة الدستور
24 مايو، 2026