أثارت نتائج التحقيقات في حادث مصرع ثلاث فتيات بمحافظة المنوفية، والتي كشفت أن السائق المتسبب في الحادث كان تحت تأثير المواد المخدرة، موجة من الغضب والخوف لدى المواطنين، وأعادت إلى الواجهة ملفًا شائكًا يتعلق بقيادة المركبات تحت تأثير المخدرات، ومع تصاعد الحوادث الناتجة عن الإهمال والتعاطي، تطرح تساؤلات حقيقية: هل العقوبات الحالية كافية؟ وهل هناك تحرك تشريعي جاد يردع هذه الممارسات؟ “الدستور” تواصلت مع اثنين من كبار الخبراء للحديث حول أبعاد القضية والحلول المقترحة.

اللواء مدحت قريطم: العقوبة الحالية غير كافية.. وأطالب بالسجن 3 سنوات وسحب الرخصة 5 سنوات على الأقل
قال اللواء مدحت قريطم، مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع الشرطة المتخصصة، إن هناك آلية قائمة ومستمرة تعمل بانتظام، من خلال الإدارة العامة للمرور المركزي، بالإضافة إلى إدارات المرور المختلفة، ويشارك فيها أحد الأطباء المنتدبين من وزارة الصحة لهذا الغرض، حيث تنطلق الحملات إلى مواقع محددة، ويتم اختيار بعض السائقين بطريقة عشوائية وسحب عينات منهم لإجراء التحاليل اللازمة، وإذا تبين أن النتيجة إيجابية، يتم اقتياد السائق إلى قسم الشرطة وتحرير محضر بالواقعة، يُحال بعدها إلى النيابة العامة، والتي بدورها تطلب إجراء فحص دم جديد من أحد المستشفيات، وتُباشر القضية.وأضاف في تصريحات خاصة لـ”الدستور”: هذا هو الإجراء المتبع حاليا، لكن المستجد هو صدور تعليمات من السيد رئيس الوزراء بزيادة عدد هذه الحملات، وتعزيز عنصر المفاجأة فيها، خاصة في الطرق التي تشهد تحويلات أو تكرار للحوادث. ومعظم هذه الحملات بالفعل تُنفّذ بشكل مفاجئ، ولكن المطلوب أن تتكثف بشكل أكبر”.وأوضح من وجهة نظره، أن العقوبة الحالية وهي الحبس ستة أشهر، غير كافية إطلاقا، إذا أثبت التحليل تعاطي المخدرات، متابعا: “أطالب برفع العقوبة إلى ثلاث سنوات على الأقل لأي نوع من المركبات، مع تشديد أكبر على سائقي المركبات الثقيلة”.وشدد على أن تُسحب الرخصة لمدة خمس سنوات كحد أدنى، وإذا عاد الشخص للقيادة بعد ذلك دون تأهيل، يجب أن يُسجن، ويجب أن تصدر تشريعات واضحة لذلك، متابعا: لقد طالبت مجلس النواب مرارًا بتحقيق ذلك.وأكد قريطم: “ما أراه هو أن الدولة لا تتحرك بالسرعة الكافية، وحتى رئيس الجمهورية نفسه أشار إلى ضرورة التعامل بجدية مع هذا الملف، لذلك فنحن بحاجة إلى تعديل تشريعي عاجل، لأن القانون الحالي غير رادع، مستطردا أن العقوبة الجنائية يجب أن تُغلّظ قبل المرورية، ويجب أن تصل إلى عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، لأن من يقود مركبة ثقيلة تحت تأثير المخدرات يمكنه التسبب في كارثة تشمل عشرات السيارات والمواطنين الأبرياء”.وواصل: “أنا أطالب مجلس النواب ليس فقط بتعديل القوانين المتعلقة بالسائق الذي ارتكب حادثا فعليا، بل أيضا بوضع آلية للكشف المبكر وردع السائقين قبل وقوع الكارثة، ويجب أن تجرى التحاليل في أي وقت لأي سائق، بشرط وجود طبيب من وزارة الصحة لضمان سلامة الإجراءات”.وأشار إلى أهمية استخدام الرادارات بقوله: تم التوجيه مؤخرًا بوضع رادارات صوتية على الطرق، الهدف منها تنبيه السائقين للمخاطر والحفاظ على حياتهم وحياة أسرهم، سواء كانوا يقودون سيارات خاصة أو نقل.وختم تصريحاته، أنه من المهم جدا أن فرض محددات للسرعة، وضرورة وجود سائقين اثنين في الحافلات التي تسير لمسافات طويلة، كما يجب أن تُمنع السيارات العملاقة من السير وسط السيارات الصغيرة، خاصة في الطرق السريعة، مطالبا بألا يحصل أحد على رخصة نقل ثقيل إلا بعد الخضوع لتدريب متخصص في أحد المراكز المعتمدة، يشمل القيادة الآمنة، معقبا: إذا تحركنا على ثلاثة محاور: تحديد السرعات، وصيانة الطرق، وتفعيل الرقابة، فنستطيع تقليل الحوادث بشكل ملحوظ.

اللواء الدكتور صفوت كامل: القوانين وحدها لا تكفي.. تطبيقها هو الأساس
وفي السياق ذاته، صرح اللواء الدكتور صفوت كامل، أستاذ إدارة المرور لـ”الدستور”، أن قانون المرور والقانون الجنائي كلاهما يمنعان تعاطي المخدرات أثناء القيادة، حيث هناك حملات مشتركة بين وزارتي الداخلية والصحة للكشف عن السائقين المتعاطين، مشيرا إلى أنه في حالة ثبوت التعاطي، يتم اتخاذ الإجراءات القانونية بإحالة السائق إلى النيابة العامة وإيقافه عن العمل فورًا، حيث إن هذا الأمر معروف ومطبق قانونا.وأوضح أستاذ إدارة المرور، أن نسبة كبيرة من حوادث الطرق ترجع إلى العنصر البشري، وتعاطي المخدرات، والذي يمثل أحد أخطر الأسباب، مفيدا بأنه رغم أن القوانين الموجودة صارمة وتحتوي على عقوبات مغلظة، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، حيث إن الفيصل هو في تنفيذ القانون على أرض الواقع، وهو ما يسمى بالضبط المروري، كما أن تطبيق القانون بشكل مستمر وفعال هو ما يردع المتجاوزين.وفيما يتعلق بالعقوبات الإدارية، قال كامل: ينبغي أن يخضع السائق المتعاطي لعملية تقويم وتأهيل من جديد، ويجب أن يدخل إلى مصحة أو جهة علاجية لمدة معينة، ويتم خلالها سحب الرخصة منه تماما، وبعد التأكد من شفائه التام من الإدمان، يُعاد تقييمه ومن ثم تسمح الجهات المختصة له بالحصول على الرخصة مجددا، وفقًا للفترة القانونية، مضيفا أن المشكلة ليست فقط في عدد الحوادث، بل في حجم الإصابات والخسائر التي تنتج عنها، خصوصا حين تكون نتيجة لمخالفة صريحة مثل تعاطي المخدرات والسير عكس الاتجاه في الوقت ذاته.واختتم حديثه بالتأكيد على الحاجة إلى تنسيق شامل، حيث إن الحد من حوادث الطرق لا يمكن تحقيقه من خلال وزارة الداخلية فقط، بل من خلال استراتيجية وطنية تشارك فيها أكثر من عشر وزارات وهيئة حكومية، معقبا: لدينا أكثر من 77 جهة معنية بالمرور في مصر، ولذلك أقترح إنشاء مجلس أعلى لحوادث المرور، يكون مسؤولا عن إدارة هذا الملف بالكامل، وإصدار التوصيات اللازمة وتوزيع الأدوار بشكل واضح على الجهات المعنية.وأجمعت تصريحات الخبراء لـ”الدستور” على أن العقوبات الحالية لا تواكب خطورة الظاهرة، وأن تطبيق القانون بصرامة وتعديله بشكل عاجل بات ضرورة حتمية، كما أكدوا أن المسألة تحتاج إلى استراتيجية شاملة تشارك فيها مختلف الوزارات المعنية، من أجل بناء منظومة مرورية آمنة وخالية من الاستهتار.