ثقافة, جريدة الدستور 31 ديسمبر، 2025

داود عبد السيد، شاعر السينما المصرية وفيلسوفها، الباحث عن القدرات الكامنة في “بني أدم” القلق، المأزوم، أو كما وصف محمود عبدالشكور “يحيى” بطل فيلمه “أرض الخوف” “الإنسان عموما دورا ومهمة من القمة إلى القاع، ومن الرسالة والتكليف إلى الوحل… كائن يستحق التعاطف والرثاء في كل الأحوال، لأنه في متاهة وجودية صعبة، تكفيه المحاولة، وتكفيه المهام الفاشلة، والخطابات التي لا تصل أبدا.”

داود عبد السيد فيلسوف السينما وشاعرها

داود عبد السيد، واحد من أبرز وجوه سينما المؤلف، بشكل واضح وقوي بالنسبة لأبناء جيله. سينما المؤلف مفهوم ظهر في خمسينيات القرن المنصرم، وساهم بشكل كبير في تطوير الكتابة السينمائية واللغة الفنية للأفلام، ففضلا عن الإخراج كتب عبد السيد العديد من أعماله، محاولا خلق صورة بصرية مغايرة عن طريق حكايات عايشت نبض الواقع.منذ أول أعماله الروائية الطويلة “الصعاليك” 1985، وصولا إلي آخرها “قدرات غير عادية”، ولا يعترف عبد السيد بمصطلح “أفلام المهرجانات”، أو سينما تصنع للجماهير وأخري من أجل المشاركة في المهرجانات. وأكد في أكثر من لقاء معه علي أن: “من المفترض أن الفيلم يصنع للجمهور، وتكون هناك أفلام أكثر فنية، أكثر عمقا، أكثر جمالا فيتم اختيارها للعرض في مهرجان”.

داود عبد السيد.. أبحث عن القدرات الكامنة في الإنسان

يري “عبد السيد” أن حدود حريته كمخرج، تتعلق بأمرين، “من المفترض أن حريتي كمخرج في حدود للأسف الرقابة علي المصنفات الفنية، وفي حدود ميزانية متفق عليها مع منتج. اعتقد أن هذه هي حدود الحرية”.في آخر أفلامه الروائية، “قدرات غير عادية”، يحتفي داود عبد السيد بالحياة ويدعونا للبهجة بها رغم أنوف خفافيش الظلام٬ من يحرمون الفن والموسيقي والرسم٬ وإن كان هذا بلغة بصرية بدون جملة حوارية واحدة٬ في ذلك المشهد وأحد أبطال الفيلم “شريف” يرسم لوحاته٬ بينما يتربصه اثنين من الملتحين بإمتعاض وملامح غاضبة مظلمة.وعن هذا الفيلم يقول “عبدالسيد”: “الفيلم ليس مقصود به القدرات الخارقة، بل هو عن قدرة كل إنسان منا بداخله والتي إما أننا قد نسيناها أو نكبتها أو مرغمين علي عدم إظهارها عن طريق مجموعة عوامل سياسية واجتماعية تجعلنا بشكل عام بلداء غير قادرين علي المبادرة، غير قادرين علي الحركة غير قادرين علي الإنتاج، غير قادرين علي الإنتاج، هذا هو ما قصدته في الفيلم، وهو أن كل منا لديه القدرة علي الفعل ولكن يجب عليه أن يستخدم هذه القدرة”.

داود عبد السيد تعلمت الكثير في مدرسة يوسف شاهين

بدأ داود عبد السيد، حياته المهنية عقب تخرجه من المعهد العالي للسينما، كمساعد مخرج مع يوسف شاهين في فيلم “الأرض”، وعن هذه التأثير ورأيه في “شاهين” يقول عبد السيد: “مجرد العمل في فيلم الأرض والمأخوذ عن عمل أدبي كبير، أولا كان شيئا مشرفا. ثانيا كنت في بداية حياتي المهنية وأعمل مع يوسف شاهين كأنني دخلت مدرسة تعلمت منها الكثير، أهمها ما كان يميز شاهين في طريقة تعامله مع الممثلين، خاصة وأنه كان لديه اهتمام شديد بالممثل، علي المستوي الإنساني والتاريخي.”وربما يكون أدق ما توصف به سينما داود عبد السيد، ما قدمه الناقد الفني محمود عبدالشكور في كتابه “داود عبدالسيد.. سيرة سينمائية”، “يقدم داود عبد السيد سينما مختلفة، ولا يصنع أفلامه للمهرجانات، وإنما للجمهور في قاعات العرض، وهو لا يقدم ألغازا، وإنما يقدم شخصيات ومواقف وأحداث عن بشر من لحم ودم، هو فقط يريدك أن تتأمل ما تراه، وتنفعل معه، ولكن تفكر أيضا، ولذلك فإنه لا يقدم في الغالب شكل الحدوتة التقليدي الذي تعوده المتفرج في السينما السائدة، ولا شكل البناء التقليدي من بداية ووسط ونهاية، وعقدة وحل، وإنما يتابع حياة شخصياته في فترة معينة، يرسم ملامحهم، ويتوقف عند لحظات تحولهم، ويتأمل تناقضاتهم، ونهايات أفلامه ليست نهايات بالضبط، وإنما نهاية جزء من حياتهم، ولكن المشهد الأخير عنده هدفه ترك انطباع ما للتفكير، دون أن يضع نقطة في نهاية السطر، ودون أن يغلق الباب أمام بدايات جديدة.”ويخلص “عبدالشكور” إلي: “هكذا تبدو سينما داود عبد السيد مختلفة عن سينما سائدة تقدم المتوقع والمألوف، لا تهتم بإغلاق أقواسها، أو تجيب عن كل ما طرحته من ألغاز وأسرار، بل يميل داود عبد السيد إلي أن ينقل للمشاهد أسئلته، وأن يحفزه علي البحث عن إجابات معه. 

زيارة مصدر الخبر