اليوم السابع, مقالات 14 فبراير، 2026

دخل العالم عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة تحولات جيوسياسية كبرى، حيث تتشابك خيوط الدبلوماسية مع ضغوط القوة الاقتصادية والعسكرية، وفي مشهد لم يتكرر كثيراً، بدت الفجوة بين ضفتي الأطلسي أكثر وضوحاً، بينما يحاول القادة في مؤتمر ميونخ للأمن ، الذى يعقد من 13 إلى 15 فبراير ، ترميم ما أفسدته شهور من التوتر، في ظل إدارة أمريكية جديدة تتبنى نهج أمريكا أولاً بصرامة، وتكتل أوروبي يحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذ المؤسسات الدولية.

مواجهة فون دير لاين وترامب: صراع الشرعية

في بروكسل، اتخذت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، موقفاً حازماً برفضها المتكرر دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام إلى مجلس السلام الخاص بغزة، والمقرر عقده في واشنطن في 19 فبراير. هذا الرفض ليس مجرد مناكفة سياسية، بل هو معركة مبادئ قانونية حيث يرى الاتحاد الأوروبي أن أي تحرك دولي يجب أن يمر عبر بوابة الأمم المتحدة وميثاقها.

وتكمن مخاوف بروكسل في أن يتحول هذا المجلس إلى بديل للمؤسسات الدولية الشرعية، أو أن يتوسع نطاق عمله ليشمل صراعات أخرى، مما يسحب البساط من تحت أقدام مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك، يظهر الانقسام داخل البيت الأوروبي بوضوح، حيث غردت دول مثل المجر وبلغاريا خارج السرب وأعلنت انضمامها للمجلس، مما يضع وحدة القرار الأوروبي على المحك أمام إغراءات واشنطن.

مؤتمر ميونخ.. ترميم الثقة المهتزة

وعلى جبهة أخرى، انطلقت فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن في ألمانيا، وسط أجواء مشحونة بمحاولات إصلاح ما يمكن إصلاحه،  المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، افتتح القمة بلهجة استعطافية وتحذيرية في آن واحد، داعياً واشنطن لإدراك أن قوة الناتو هي مصلحة أمريكية قبل أن تكون أوروبية.

ماركو روبيو يخطف الأنظار

هذا العام، تتركز الأنظار على وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الذي يحمل غصن زيتون مشروط،  فبينما يحاول روبيو طمأنة الحلفاء بخطاب هادئ يركز على الروابط الثقافية والتاريخية، فإنه لا يخفي أن العصر الذهبي للاتكال على أمريكا قد ولى، تصريحاته في ميونخ أكدت أن العالم يعيش حقبة جيوسياسية جديدة تتطلب من الجميع، وخاصة الأوروبيين، إعادة تقييم أدوارهم ومسؤولياتهم.

تغيير العقلية..أوروبا نحو السيادة الدفاعية

تحت مطرقة التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية أو الانسحاب من الالتزامات الدفاعية، يبدو أن القادة الأوروبيين بدأوا يرضخون للأمر الواقع. الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أشار إلى حدوث تغيير جوهري في العقلية الأوروبية،  حيث بدأت دول القارة بالفعل في زيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل غير مسبوق.

لم يعد الإنفاق العسكري مجرد رفاهية أو استجابة لطلب أمريكي، بل أصبح ضرورة وجودية في ظل احتمالات تخلي واشنطن عن حماية القارة العجوز أو انشغالها بملفات أخرى مثل “غرينلاند” أو الصراع التجاري مع الصين. هذا التحول يعني أن عام 2026 قد يكون العام الذي تولد فيه أوروبا العسكرية فعلياً، بعيداً عن العباءة الأمريكية التقليدية.

عالم  بلا بوصلة موحدة

بين رفض فون دير لاين في بروكسل، ومحاولات ميرتس في ميونخ، وضغوط روبيو في واشنطن، يبدو أن النظام العالمي القديم ينهار ليحل محله نظام المصالح المباشرة، حيث أن الصراع الحالي ليس فقط حول من يدير أزمة غزة أو من يمول الناتو، بل هو صراع حول من يقود العالم في القرن الحادي والعشرين وبينما تتمسك أوروبا بـ القانون الدولي، تصر واشنطن على الواقعية السياسية، وبين هذا وذاك، تظل منطقة الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي هما الرهان الأكبر في هذه اللعبة الدولية المعقدة.

 

زيارة مصدر الخبر