ثقافة, جريدة الدستور 1 أبريل، 2026

مؤخرا تولي الكاتب الإعلامي، عمر قناوي، إدارة دار الثقافة الجديدة للنشر، خلفا للروائي الراحل صنع الله إبراهيم..الـ”الدستور” التقت “قناوي” في حديث عن كواليس قبوله المهمة، ورؤيته لخطط النشر المقبلة، ومعايير اختيار الأعمال، وكيف يمكن لدار نشر مستقلة أن تحافظ على دورها النقدي والثقافي، إلى جانب تأملاته في العلاقة بين الإدارة والإبداع، ومستقبل الكتاب في مصر والعالم العربي.

 

هل ترددت قبل قبول عرض إدارة الدار خاصة وأن إدارته السابقة شغلها الروائي الراحل صنع الله إبراهيم؟

ما حدث هو أنه خلال معرض الكتاب الماضي، التقيت الصديق خالد عبدالحميد وهو ناشر أيضا ووطيد الصلة بورثة دار الثقافة الجديدة، وسألني حول مدى استعدادي لإدارة الدار لأنهم يبحثون عن مدير بعد وفاة الأستاذ صنع الله إبراهيم، طلبت مهلة للتفكير خاصة أنني غير متفرغ بحكم عملي الإعلامي في إحدى الفضائيات، ثم طرح الصديق الكاتب الصحفي يحيي وجدي الموضوع أيضا من جهته وقلت له أنني أدرس الأمر، ووافقت مبدئيا بعد 10 أيام من التفكير خاصة أنني في ذات التوقيت كان أمامي عرضا جيدا أيضا من صحيفة عربية.والحقيقة أن أحد أهم أسباب قبول العرض هو اسم الدار العريق، شعرت أنها مسألة مشرفة أن يرتبط اسمي بالثقافة الجديدة أو أمثلها وأتولى إدارتها بعد قامات بحجم الأستاذ محمد يوسف الجندي والأستاذ صنع الله إبراهيم. أمر أخير أنني بطبعي أعشق التحدي. 

ــ ما خطة النشر بالدار القادمة وما أولوياتها؟

نتحرك بشكل متواز في كافة المسارات، النشر والتوزيع وتحقيق مزيد من الحضور والانتشار. أولويات الدار حاليا هي فتح المزيد من منافذ التوزيع الداخلية والخارجية، إعادة جذب المثقفين والقراء للدار وإضفاء المزيد من الحيوية على مقرنا من خلال فاعليات شبه يومية سنفاجئ بها إن شاء الله الأوساط الثقافية، الارتقاء بمستوى الجودة، تقديم ونشر أعمال تضيف للقارئ العربي وذلك في إطار توجهاتنا التقدمية والتنويرية. 

ــ ما تصورك للنهوض بالدار لترسيخها خلال الفترة المقبلة؟

الحقيقة أنني طموح جدا، أنا محب للكتب وعالمها وصناعتها، بصراحة أستعير هنا مقولة جيفارا «أحلامي لا تعرف حدودا»، أطمح لأن نصبح أولا من أهم الناشرين المصريين ثم العرب، وأن يتوسع توزيع إصداراتنا من العراق إلى موريتانيا، ونتحول إلى مركز ثقافي تنويري متكامل، وعلى المستوى الشخصي أطمح لأن يقال مستقبلا أنني ساهمت في تحقيق «نقلة تاريخية» للدارفي مسارها. 

ــ هل ستواصل الدار خطها الفكري والتنويري المعروف أم هناك توجهات جديدة؟

بالطبع ستواصل الدار خطها الفكري التنويري التقدمي، واليساري على الأخص، لا يعني ذلك أننا سنتخصص في نشر أعمال تعكس توجهاتنا الفكرية فقط، على العكس، سنرحب بأي أفكار جادة ليس بالضرورة أن تكون أفكارا اشتراكية أو يسارية، ما سنرفضه هو ما قد يدافع عن أفكار عنصرية أو تمييزية أو يمينية أو من يتبناها. 

كيف يمكن لدار نشر مستقلة أن تحافظ على دورها النقدي والتنويري؟

أولا بالإصرار على خيارها والإيمان به، الدار عبر تاريخها أدت هذا الدور، أنا مؤمن أن وجود دار نشر جادة وشجاعة هي «مهمة وطنية»، كيف يمكن لبلد أن تنهض وتتقدم دون مفكرين وباحثين ومبدعين جادين؟ وهؤلاء المفكرين كيف تنتشر أفكارهم وتصل للمتلقي سواء كان مواطنا عاديا أو صانع قرار قد يسترشد بهذه الأفكار في صنع قراره السياسي أو الإداري والتنفيذي؟ لا بد من ناشر أليس كذلك؟ وبالتالي فالنشر الجاد مهمة وطنية بلا جدال في تقديري.وثانيا بحسن الإدارة والنشاط والإحكام حتى تتمكن من تحقيق المعادلة الصعبة «توافر التمويل والاستمرار في الخط الأيديولوجي دون الاضطرار لتقديم تنازلات لإرضاء ممول». 

هل هناك توجه للاهتمام بأصوات أدبية شابة أو تجارب جديدة؟

بكل تأكيد، ونطمح لاكتشاف الموهوبين من كل محافظات مصر ممن قد لا يجدون الفرصة، نحلم لا أقول باستنساخ- ولكن الاقتداء بدور جودة السحار ومكتبة مصر في الثلاثينات من القرن الماضي. 

 ما معايير اختيار الأعمال التي ستصدرها الدار مستقبلا؟

القيمة العلمية والفكرية، الجرأة، وفي الأعمال الإبداعية الشروط والمعايير الفنية الأساسية لكل نوع أدبي. 

هل تفكر في توسيع النشر الرقمي أو الكتب الإلكترونية؟

بالطبع، لا مفر من مواكبة العصر ولكن هذا ليس الأولوية خلال العام الجاري على الأقل.

عمر قناوي: نحلم بأن تصبح «الثقافة الجديدة» نقطة تحول في صناعة النشر (حوار)

بصفتك كاتبًا قبل أن تكون مديرًا هل يغيّر المنصب علاقتك بالكتابة؟

هذا سؤال إجابته متشعبة، أعمل في مجال إدارة المكتبات منذ منتصف التسعينات، وبصراحة أفادني هذا الأمر كثيرا حين كتبت عملي الأول «خبرني العندليب» لأن ما تعلمته من خلال تجربة إدارتي لمكتبة سندباد، أنه مهما تباينت اهتمامات القراء سواء كانت سياسية أو علمية بحتة أو إبداعية، فجميعم يبحثون عن الكتاب «سريع الإيقاع» و«الشيق» وهذا ما حرصت عليه في العملين اللذين أصدرتهما وكان صداهما طيبا، وبالتالي فالمفاجئ أن عملي في المكتبات هو الذي أثر إيجابا في تجربتي الكتابية، لم يكن معوقا بل كان ملهما.قد تكون هناك تأثيرات سلبية مثل ضيق الوقت خاصة أنني أيضا أعمل في فضائية كبرى وصناعة الأخبار، ما يجعل الوقت المتبقى للإبداع قليل أصلا، أتحايل على ذلك باستغلال أي خمس دقائق لكتابة ولو فقرة قصيرة أو التقاط فكرة سريعا وتدوينها، لتكوين المادة الخام للعمل على الأقل. وبعدها نجد حلا للصياغة بشكلها النهائي. 

هل تخشى أن تؤثر المسؤوليات الإدارية على مشروعك الإبداعي؟

لا أخشى ذلك، المساهمة في إنجاح دار نشر إذا تمكنت من ذلك إن شاء الله، هي عمل إبداعي أيضا أليس كذلك؟ بشكل عام اعتدت على إدارة ملفات متوازية أو متقاطعة.هي فقط أبطأت خاصة أنني أعمل على مشروعين إبداعيين حاليا. 

كيف يمكن للمدير الكاتب أن يكون أكثر تفهمًا لاحتياجات المؤلفين؟

بل غالبا هو الأكثر تفهما لاحتياجات المؤلفين لأنه كما يقولون «أهل مكة أدرى بشعابها»، هناك أمور يشترك فيها جميع الكُتاب وهي رغبتهم في عرض إبداعهم وصدوره بشكل جيد، أي أديب أو مبدع يحب أن يرى كتابه معروضا بشكل أنيق على رف أو واجهة مكتبة، وأمور أخرى، مع ملاحظة أن هناك فروق فريدة، هناك من يعنيه النجاح الفني والاستقبال النقدي الجيد ولا يعنيه التوزيع، وهناك من يهتم بالتوزيع ولا يلتفت للنقد وهكذا، كما أنني ابن الوسط الثقافي وهذا أتصور أنه سيفيدنا جميعا ويجعل التفاهم أسهل وأكثر سلاسة. 

ما أبرز التحديات التي تواجه دور النشر المستقلة في مصر حاليًا؟

كثيرة، ارتفاع التكلفة الإنتاجية أولها مما يؤدي لارتفاع سعر الكتاب وبالتالي انخفاض التوزيع في ظل ظرف اقتصادي لا يسمح بأن يصبح شراء الكتاب أولوية لدى الأسرة المصرية العادية، لو تحدثننا بالتفصيل قليلا، فهناك تكلفة الورق والطبع، المترجم وحقوق الترجمة لو كان عملا عن لغة أخرى، الإخراج الفني الجيد أصبح عنصرا أساسيا وهذا يتطلب فنيين ومنفذين أعلى سعرا، حقوق المؤلف، الالتزامات الشهرية من رواتب وإيجارات، هناك مشكلة جانبية أيضا لا يلتقت إليها أحد تتمثل في ندرة الكفاءات المؤهلة للعمل في هذه الصناعة، في تقديري هي صناعة لها شروط خاصة لمن يعمل بها أولها الشغف بالكتاب هؤلاء محدودين جدا في السوق المصري، أغلبهم ممن يعملون بها منذ عقود أصلا وقلة قليلة من الأجيال الشابة، هنا في الثقافة الجديدة قلت للدكتورة نادية الجندي إنه لحسن حظكم أن معكم شخص كفؤ هو عادل الغرباوي الذي أعتبره «أحد أعمدة المكان عبر تاريخه».عشوائية السوق مشكلة بدرجة ما، مثلا بعض الموزعين يتباطؤن في سداد مستحقات مبيعات الناشر مما يربك المسألة برمتها. وأيضا قلة عدد المكتبات قياسا بحجم عدد السكان، كم مكتبة في الإسماعيلية والسويس وقنا وأسوان وبني سويف؟أتمنى أن تبحث الدولة عن سبل لدعم الناشرين التنوريين الذين يحرصون على نشر إصدارات متوسطة السعر أو قليلة السعر، من الممكن للدولة سنويا أو لهيئة الكتاب أن تدعم سنويا مثلا عشرين ناشرا من خلال شراء مئات النسخ من عناوين مميزة من إصدارتهم أو حقوق نشر أربعة أو خمسة عناوين، والعام الذي يليه تختار 20 ناشرا آخر وهكذا، يجب تشجيع معارض المحافظات والجامعات الإقليمية بأن تتحمل الدولة مثلا تكلفة الإيجار والشحن، الأقاليم عطشى، لا ترى الكتاب أصلا كي تعتاد بالتدريج على ثقافة شراؤه. والمؤسف أن ضعف القدرة الشرائية هو سبب النجاح الواضح للطبعات المزورة، أتمنى أيضا تخفيض سعر إيجار أجنحة معرض الكتاب للناشر المصري.الدولة يجب أن تدعم من دور النشر التنويرية محدودة التمويل لأن هذه الدور ببساطة إحدى أدوات قوتها الناعمة، حين يقال أو يُسمع اسم مصر في أي دولة، ألا يستدعى هذا الاسم على الفور أسماء مفكريها ومبدعيها؟ 

 كيف يمكن تحقيق التوازن بين القيمة الثقافية ومتطلبات السوق؟

أولًا التسويق الجيد، نظريا السوق العربي كبير جدا يتكون من مئات الملايين – أقول نظريا، هؤلاء الملايين إذا تم غرس قيمة المعرفة والتعلم بداخلهم سيتحولون تلقائيا إلى قراء ومشترين للكتب أليس كذلك؟ 100 ألف قارئ إضافي سنويا كفيل بحل مشاكل الصناعة بأكملها، وهذا يتطلب بالأساس جهود من المؤسسات العربية الرسمية وعلى رأسها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المرتبطة بجامعة الدول العربية لغرس قيمة الثقافة في مجتمعاتنا.وثانيا حسن الإدارة بالطبع. وثالثا الخيال المهني والتجاري، لا يعني كوني دار نشر يسارية التوجه أن أخاطب اليساريين فقط أو المهتمين بهذه الأفكار فقط، معلش، أنا أوجه خطابي الإعلاني والدعائي للجميع، إذا افترضنا أن السوق يتضمن 20 مليون قارئ متبايني التوجهات والاهتمامات بدءا من جمهور سلاسل «رجل المستحيل وميكي وفانتازيا» وانتهاء بقراء «الحويني وعبدالحميد كشك مثلا»، فكل هؤلاء جمهور مستهدف بالنسبة لي كناشر وموزع.ورابعا وهي أصلا أولًا، جودة المنتج معرفيا وإنتاجيا، الكتاب القيم يبحث عنه القارئ ولو بعد خمسون عاما.وهناك خامسا الممولون محبو الثقافة وهم كُثر بالمناسبة. 

هل لدى الدار خطط للتعاون مع مؤسسات ثقافية عربية أو دولية؟

بالتأكيد، وبدأنا بالفعل التواصل مع بعضها والمؤشرات جيدة، وعموما المؤسسات الثقافية التي تسعى للقيام بدور تنويري أوالوليدة تتعاطف تلقائيا مع بعضها، بدأنا تعاون مع خان الجنوب في ألمانيا وهي مكتبة جديرة بالتشجيع لأن دورها مهم في توفير الكتاب العربي في عاصمة ذات ثقل ثقافي مذهل بحجم برلين، وهذا بدوره يفتح بابا لتعريف القارئ الأوروبي بمبدعينا وترجمة أعمال الجيدين منهم. 

ما المشروع الذي تحلم بتحقيقه داخل الدار ولم يُنجز بعد؟

أحلم بطبعات شعبية زهيدة السعر لأعمال عشرات المبدعين أو المئات منهم العرب والأجانب، الأجيال الجديدة مظلومة بدرجة ما، قرأت سلامة موسى مثلا وجبران بعشرة قروش، أحلم ألا يضطر القارئ لدفع 400 جنيه في رواية لزوسكيند أو صنع الله إبراهيم أو دراسة لهيجل، أحلم بأن يصبح الكاتب الأكثر قيمة هو الأكثر جماهيرية وليس متوسطو الموهبة مثلما هو سائد الآن للأسف.أحلم بأن تصبح الثقافة الجديدة مقصد الكتاب والمفكرين العرب الكبار، أٌقّدر كثيرا بصراحة تجارب الدكتور سمير سرحان والدكتور جابر عصفور وقدرتهما على جذب أي مثقف عربي أو مبدع عربي كبير للحضور لمصر وإقامة فاعلية بها. بسبب مثقفين كبار لديهم قدرات إدارية مثلهما استمعنا إلى محمود درويش مباشرة وشاهدناه ومثله أدونيس والأبنودي ومنصور رحباني، أحلم مثلا مثلما كان يفعل هيكل بتنظيم محاضرات ولقاءات بكبار السياسيين والفلاسفة مثل سارتر. أحلم بهذا الدور صراحة. 

بما تقيم سوق النشر وصناعة الكتاب في الوقت الراهن؟

أفضل مما كان عليه قبل عقدين، وأقل من المأمول، الدليل مثلا اتساع صناعة الكتب المزورة، السوق واسع وجيد رغم الأزمة الاقتصادية، نحتاج فقط بدرجة ما لتوجيه القراء لما هو أهم ولم يلتفتوا له. بالأساس نحتاج لحل أزمة تمركز المكتبات في مدن قليلة كالقاهرة والمنصورة والإسكندرية.

زيارة مصدر الخبر