– 1944.. عام الوداع الكبير فى موسيقى القصبجى.. رحلت أسمهان.. وانسحبت أم كلثوم
– خلال ثورة 1919 لمع دوره فى الأغنية الوطنية.. وقدم مع منيرة المهدية «شال الحمام»
فى كتابها «محمد القصبجى.. الموسيقى العاشق» الصادر عن دار الشروق تقول المؤلفة الدكتورة رتيبة الحفنى: «كان القصبجى من أفراد أسرتى، كما كان أستاذى؛ تعلمتُ على يديه العزف على آلة العود. كان القصبجى حريصًا على زيارتنا، وعلى الاتصال بوالدى، وكان يأنس بالجلوس مع والدتى – الألمانية الجنسية – التى كانت عازفة بيانو بارعة، ولديها مكتبة موسيقية ضخمة. وكان القصبجى يهوى الموسيقى الغربية، ومؤمنًا بأن نظريات الموسيقى الغربية بإمكانها إثراء الموسيقى العربية».
تضيف: «بدأتُ أتذوق الموسيقى من خلال جلسات القصبجى مع أسرتى، وأذكر واقعة فنية جاء على أثرها مولد إحدى روائعه؛ حيث استمع عندنا إلى فالس غابات فيينا ليوهان شتراوس، أداء السوبرانو إرنا زاك، وكان ختام الفالس استعراضًا صوتيًا تقلد فيه الطيور، فأُعجب القصبجى بهذا، وكانت تلك الليلة مولد أغنية يا طيور التى غنتها أسمهان».
والملاحظ أن القصبجى، رغم شرقيته الموسيقية، تأثر بالموسيقى الغربية وطبّق نظرياتها فى ألحان أم كلثوم وأسمهان؛ فكان شرقيًا أصيلًا، مبتكرًا، ومتفتحًا فى آنٍ واحد. وتؤكد المؤلفة أن القصبجى كان ظاهرة موسيقية نقل الغناء من الطرب الخالص إلى الطرب المعبّر.

* النشأة الأولى
وُلد محمد على إبراهيم القصبجى فى 15 أبريل 1892، بحارة قواديس بشارع حسن أكبر بعابدين، بعد 29 يومًا من ميلاد سيد درويش. وكان والده الشيخ على منشِدًا وقارئًا للقرآن الكريم. فى عام 1903 التحق بمدرسة عثمان باشا بالقلعة لحفظ القرآن الكريم وتعلّم علوم الفقه، على عكس رغبة أمه عائشة عثمان بشناق.
شبّ القصبجى على حب الموسيقى؛ كان يطرب لنداءات الباعة الجائلين ويتغنى بها. وفى المدرسة كان متفوقًا، غير أن الموسيقى ظلت محور اهتمامه، فكان يأخذ عود والده ويعزف عليه خفية. كان أول عود امتلكه من نجّار الحى، طوله 16 سم، ثبت فيه أوتارًا قديمة من عود آخر.
وكان والده ملحنًا قديرًا، له أعمال مع: عبده الحامولى – الشيخ يوسف المنيلاوى – سيد الصفطى – صالح عبدالحى – زكى مراد (والد ليلى) محمد السنباطى (والد رياض). ورغم تعنيف الوالد له، كان يعده – كلما حفظ آية من القرآن – أن يصطحبه إلى تياترو إسكندر فرح لسماع سلامة حجازى، وهو ما فتح آفاقًا أوسع أمام الطفل للتعرّف على أشكال غنائية جديدة.
* التعليم وبدايات الاحتراف
فى عام 1911 أنهى القصبجى دراسته الدينية، والتحق بمدرسة المعلمين. وبدأ الوالد يقتنع بشخصية ابنه الموسيقية، فشجّعه وأهداه عودًا من أعواده الثمينة. عام 1912 تلقى أول دعوة لإحياء فرح مقابل خمسة جنيهات عربونًا، واستعان بزملائه فى المدرسة كعازفين. بعد التخرج عمل بالتدريس، جامعًا بين التعليم صباحًا والغناء ليلًا، إلى أن استقال عام 1917 وقرر التفرغ للفن.
* شارع محمد على.. المعمل الفنى
كان شارع محمد على مركزًا للحياة الفنية؛ سكنه أغلب الفنانين، وانتشرت فيه أسماء عوالم، مثل: نعيمة شخلع – زوبة الكمسارية – أنوس المصرية – عزيزة كهربا. ومن هذا الشارع خرج: صالح عبدالحى – محمد حلمى – شكوكو – عمر الجيزاوى – شفيق جلال – عبدالحليم حافظ. وكادت أمينة رزق تحترف الغناء قبل انضمامها لفرقة يوسف وهبى. «لم يمشِ فنان على درب الفن إلا وخطا عتبات شارع محمد على».
اشتهر الشارع أيضًا بصناعة الآلات الموسيقية، وضم مقاهى ثقافية كانت بمثابة منتديات فكرية، منها مقهى الكتبخانة أمام دار الكتب، حيث كان يتصدره حافظ إبراهيم. وكان من رواد مقاهى القاهرة: طه حسين – توفيق الحكيم – إبراهيم ناجى – أحمد رامى.
أما مقهى متاتيا فكان يرتاده محمد عبده، والأفغانى، وسعد زغلول، والعقاد، والمازنى، وحافظ إبراهيم. ومن المنتديات الأخرى: بار اللواء، وبار سان جيمس، وبار صولت التى شهدت جلسات أحمد شوقى. وسكن القصبجى حارة الكلاب، أفقر حارات الحى، وكان يرتاد القهوة التجارية، ملتقى الفنانين.
* العوالم وبدايات التلحين
اقتصر عمل القصبجى فى هذه المرحلة على تخت العوالم، وتُعد الفترة من 1900 حتى 1925 العصر الذهبى لهن. ضمّت الفرق نساءً تقودهن «الأسطى»، مع توزيع دقيق للآلات، والتزام صارم بالحشمة فى الزى. ومن أشهر العوالم: أمينة الصرفية – بمبة كشر – أمينة شخلع – سيدى صوانى – نفوسة السويسية – الحاجة هدى – الحاجة فهيمة – عزيزة البيضا – فاطمة حسنين – أسماء الكمسارية – عزيزة هزو – هانم المشتولة – شفيقة القبطية. وكان الغناء آنذاك – حسب وصف المويلحى – «عربدة» لا فنًا.
حاول القصبجى التلحين للنهضة بالأغنية، لكنه لم يجد قبولًا فى البداية، خاصة مع محدودية صوته فى عصر يفرض على المطرب امتلاك صوت جبار، فى غياب الميكروفون.
* الدور والموشح والطقطوقة
اتجه القصبجى إلى تلحين الأدوار والموشحات، وكتب لنفسه، وغنت له توحيدة دور «الحب له فى الناس أحكام» فى صالة ألف ليلة بالعتبة عام 1917، مستخدمًا مقام الزنجران لأول مرة فى الدور. لفت ذلك انتباه سيد درويش، الذى لحن بعدها دوره الشهير فى شرع مين. سُجل الدور بصوت زكى مراد لشركة بيضافون.
ثم لجأ القصبجى للطقطوقة الخفيفة، مجاراةً للسوق، ولحن كلمات شديدة الإسفاف مثل: بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة – سلفنى بوسة من خدك. ورغم ذلك، أسهم مع سيد درويش فى تطوير الأغنية، وإدخال التعبير، وتطوير اللزمات الموسيقية، مستفيدين من قرار حماية النص الغنائى وتعيين يونس القاضى مراجعًا للأغانى.
* نادى الموسيقى والانتشار
عام 1919 التقى القصبجى بـمصطفى بك رضا رئيس نادى الموسيقى الشرقى، فانضم إلى تخته الموسيقى، الذى ضم نخبة من كبار العازفين. رافق التخت مطربين كبارًا، وكان لعازف الناى عبده صالح دور فى تعريفه بالمطربة توحيدة. انتشرت ألحانه فى شركات الأسطوانات كافة، واستفاد من علاقته بـكامل الخلعى، الذى أخذ عنه موشحات، وأخذ منه دروس العود.غنت له منيرة المهدية: بعد العشا – شال الحمام – يا قلبى اصبر. ومع فتحية أحمد عاد إلى الأغنية الجادة.
* الأغنية الوطنية والتحول الكبير
خلال ثورة 1919 لمع دور الأغنية الوطنية. وغنت منيرة المهدية أهازيج وطنية من ألحان القصبجى، أبرزها «شال الحمام» الخاصة بسعد زغلول. شجعه داود حسنى على الاستمرار فى التجديد، ورفض تلحين مونولوج إن كنت أسامح قائلًا: «لا يصح والقصبجى موجود».
وفى عام 1920 التقى محمد عبد الوهاب، واحتضنه فنيًا، وكان يعتمد على ذاكرته فى حفظ ألحانه. وبتوجيه من الشيخ أبوالعلا محمد، اتجه القصبجى إلى الأصوات الجادة، وعلى رأسها أم كلثوم، لتبدأ – مع السنباطى – ثورة قومية فى الغناء والموسيقى العربية.
وانضم القصبجى إلى مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام 1932 ضمن إحدى لجانه الفرعية. لحّن القصبجى للمسرح الغنائى خمس مسرحيات، بدعم من كامل الخلعى. وقدّم لمنيرة المهدية مسرحيات فى الفترة من عام 1924 إلى 1927، وهى: المظلومة، كيد النسا، وحرم المفتش، من تأليف محمد يونس القاضى، إضافة إلى حياة النفوس تأليف أحمد زكى السيد.كما شارك بثلاثة ألحان مع فرقة الريحانى فى أوبريت نجمة الصبح تأليف بديع خيرى عام 1929.
* أم كلثوم
كانت أول مرة يستمع فيها القصبجى إلى صوت أم كلثوم عام 1923 فى تياترو بايلوت باسك، فأُعجب بصوتها، وتعرّف عليها عن طريق متعهد حفلات الشيخ محمد أبو زيد، صديق والده. وقتها كانت تغنى من ألحان النجريدى، ثم لحّن لها القصبجى عشرة ألحان، وحقّق قمة النجاح معها فى مونولوج إن كنت أسمح، الذى بيع منه مليون نسخة.
كوّن القصبجى لأم كلثوم أول تخت موسيقى، وكان فيه عوّاد دائم، واختار لها مسرح دار التمثيل، الذى كانت تظهر عليه منيرة المهدية. زاد دخل القصبجى بعد العمل مع أم كلثوم، فاشترى منزلًا بميدان باب الخلق. اقترن اسم القصبجى بأم كلثوم أربعين عامًا، وكان مثل ظلها. وكان آخر ما غنّت له رق الحبيب عام 1944، والتى كانت بداية الانتقال إلى الأغنية الطويلة.
تمّت عدة محاولات لإعادة القصبجى إلى التلحين لأم كلثوم، وأسندت له نشيد الجلاء، لكنها سحبته منه وأسندته إلى محمد الموجى. وتكرر الأمر فى أكثر من موقف، منها قصيدة يا دعاة الحق لشوقى، ثم للصبر حدود. أُحبط القصبجى بعد تصرفات أم كلثوم معه. وجاء فى أقوال بعض الشخصيات أن سبب غضب أم كلثوم منه كان تصريحاته فى الصحف، وكذلك أحاديثه مع أعضاء الفرقة عن ظلمها له.
الفنان كمال الطويل سأل القصبجى ذات مرة: «كيف تكون المجدد الأعظم فى تاريخ الموسيقى، وتكتفى بدور العازف؟» فرد القصبجى: «مش عارف يا كمال! كل ما أنوى التلحين، ألاقى عفاريت بتطلع».
ويرى الطويل أن أسبابًا ممتزجة أدت إلى تدهور العلاقة بينهما، منها ما هو شخصى، وقدر من الغيرة من ملحنين آخرين كانت أم كلثوم تتعامل معهم.
* أسمهان
لحّن القصبجى فى البداية بعض الأغنيات لعلياء المنذر، والدة فريد وأسمهان. وخلال وجوده فى منزل علياء، استمع إلى صوت آمال الأطرش «أسمهان» وهى فى العاشرة من عمرها، فتبنّاها القصبجى وعلّمها النظريات الموسيقية. ثم غنّت له ليت للبراق عينا، وقصيدة هل تيم البان، واسقنيها بأبى أنت وأمى. واختتم تعاونه معها بأغنية يا طيور، التى قلبت موازين الغناء.
ماتت أسمهان عام 1944، وفى العام نفسه ودّع القصبجى التلحين لأم كلثوم برائعة رق الحبيب، وكأن القدر كتب نهاية أسمهان، وفى الوقت نفسه كتب نهايته كملحن لأم كلثوم.