– الكتاب يلامس تجربة القارئ ليرى فى الحكايات انعكاسًا لحياته الخاصة من شد وجذب وهزيمة وانتصار
يقدم كتاب «خيال زوج»، للكاتب الصحفى والناقد الرياضى البارز حسن المستكاوى، قراءة مختلفة للعلاقة الزوجية، لا باعتبارها تجربة عاطفية فحسب، بل كمسار إنسانى ممتد يتدرج من الحب إلى الصداقة، ثم إلى مساحة أعمق من التأمل وإعادة اكتشاف الذات والآخر. ومن خلال فصول الكتاب العشرين وحكاياته المستوحاة من الواقع، يرصد المستكاوى تفاصيل الحياة اليومية بين الأزواج، بما تحمله من مواقف تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها تكشف فى عمقها عن طبيعة العشرة وتحولاتها، ويقدم ذلك عبر نص سردى ساخر مكتوب بضمير المتكلم، لا يضع فيه الكاتب نفسه فى موقع البطل، بل بوصفه طرفًا فى علاقة تتأرجح بين السيطرة والخضوع، وبين الحب والصراع.
واليوم تعرض «الشروق» لهذا الكاتب المهم، متمنية للأستاذ حسن المستكاوى تمام الشفاء من الأزمة الصحية والعودة لقرائه ومحبيه، كما أن هذا الكتاب يتزامن مع النقاش المجتمعى حول مشروعات قوانين الأسرة.
يكشف الكتاب الصادر عن دار الشروق، الذى لا تتجاوز خيوط الواقع فيه أكثر من 30% بحسب ما صرح المستكاوى فى أحد لقاءاته التلفزيونية السابقة، عن طبيعة سردية تقوم على المزج بين التجربة والخيال، وعلى الرغم من ذلك يجد القارئ نفسه داخل النص فى أكثر من مشهد، وكأن الراوى كان شاهد عيان دون ما رآه، أو مؤرخًا للحياة اليومية يسجل تفاصيلها ويحاول إحياءها إلى مادة للتأمل والتحليل فى آن واحد، فينجح فى بناء نص يبدو خفيفًا فى ظاهره، لكنه بالغ العمق فى دلالاته.
فى الفصل الذى حمل عنوان «عين وأربعة أنوف»، تتجلى براعة المستكاوى فى توظيف المفارقة للكشف عن صراع الرغبات داخل الزواج، إذ تنطلق الحكاية من رغبة الزوجة فى إنجاب البنات، وهى رغبة تتجاوز حدود التمنى لتتحول إلى إصرار يكاد يهدد استقرار العلاقة، ويتكثف هذا المعنى فى عبارة الزوجة مها: «عايزة بنت.. مش هاعيش عمرى مع شنبات».
هنا تتحول اللغة الساخرة إلى تعبير عن احتياج نفسى عميق مرتبط بتجربتها السابقة فى بيت يغلب عليه الطابع الأنثوى واللون الوردى، وكانت تطلق على هذا العالم تسمية رمزية مستوحاة من رواية «أنف وثلاث عيون» للأديب إحسان عبد القدوس، فترى أباها «الأنف»، بينما تمثل هى وأمها وأخواتها «العيون». ومع انتقالها إلى حياتها الزوجية، ظلت هذه الرؤية حاضرة، لكن الواقع جاء مغايرًا، إذ يُرزق الزوج حسين بثلاثة أبناء ذكور. وهنا يعيد هو توظيف التسمية نفسها فى صيغة ساخرة، ليحولها إلى «عين وأربعة أنوف»، فى إشارة إلى نفسه وأبنائه. ومن خلال هذا التحويل، يقدم تجربة إنسانية بطابع ساخر، تكشف عبث فكرة محاولة التحكم فى نوع الجنين، وتبرز التناقض بين ما يتمناه الإنسان وما يفرضه الواقع.
أما فصل «الحكومة»، فيرتقى بالسخرية إلى مستوى النقد الاجتماعى المباشر، من خلال استعارة لافتة تختزل طبيعة السلطة داخل البيت. فعبارة «كل ست فى بيتها حكومة»، لا تأتى بوصفها مزحة عابرة، بل كمفتاح لفهم بنية العلاقة الزوجية كما يراها المستكاوى، وتتعزز هذه الرؤية فى اعترافه الصريح: «أنا الشعب وهى الحكومة»، حيث تتحول العلاقة إلى نموذج مصغر لعلاقة السلطة فى المجتمع. المفارقة هنا أن هذه «الحكومة» لا تمارس سلطتها عبر القهر المباشر، بل من خلال التفاصيل اليومية: الطعام، الأثاث، تعليم الأبناء، وحتى الذوق الشخصى، وبذلك ينجح الكاتب فى تحويل الحياة المنزلية إلى مرآة ساخرة للواقع الاجتماعى الأوسع.
وفى فصل «يا مالكًا قلبى»، ينتقل النص إلى منطقة العاطفة، لكن دون أن يفقد حسه الساخر. يعرض الكاتب موقفًا بسيطًا: الاستماع إلى أغنية قديمة، لكنه يتحول إلى أزمة شك وغيرة. يتجسد هذا التوتر فى تساؤل الزوجة: «مين دى اللى واجعة قلبك؟»، وهو سؤال يكشف عن هشاشة الثقة حين تتداخل الذاكرة مع الحاضر. وفى المقابل، يحاول الراوى تبسيط الموقف بقوله: «ده عبد الحليم!»، لكن هذا التفسير العقلانى لا يصمد أمام منطق العاطفة. هنا يبرز التناقض بين رومانسية الماضى وسوء تأويلها فى الحاضر، خاصة فى ظل تأثير وسائل التواصل، حيث يعيد الشخص نشر صور قديمة له تحمل ذكريات معينة أو يكتب كلمة تتحول إلى موضع شك.
أما فصل «الزلزال»، والذى يتناول زلزال 1992 فى مصر، فيمثل تحولًا نحو التأمل الجاد، حيث يختبر الكاتب نفسه فى موقف وجودى يكشف عن طبيعة الاختيارات الإنسانية، ويطرح الراوى سؤالًا مباشرًا: «تنقذ من: الابن أم الزوجة؟»، وهو سؤال يتجاوز حدود الحكاية ليصبح سؤالًا أخلاقيًا عامًا. وتأتى الإجابة فى الفعل ذاته، حين ينقذ ابنه ويترك زوجته، وهو ما يعترف بأثره لاحقًا: «تركت مها تتصرف وحدها». هذا الاعتراف يكشف عن صراع بين الغريزة (إنقاذ الابن) والواجب الأخلاقى (حماية الزوجة)، ويمنح النص عمقًا إنسانيًا يتجاوز الطابع الساخر، كما يبرز كيف يمكن للحظة واحدة أن تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه.
وفى «روميو يغير على زوجتى»، يعود الكاتب إلى السخرية، لكن عبر وسيط غير تقليدى هو الكلب، الذى يتحول إلى طرف ثالث فى العلاقة الزوجية، حيث تتجلى المفارقة فى اعتراف الراوى: «أصبحت أنافق روميو»، وهى جملة تختزل حالة التراجع التى وصل إليها داخل بيته. لم يعد الصراع فقط بين الزوج والزوجة، بل أصبح بينه وبين كائن آخر ينافسه على الاهتمام والمكانة، وتكتمل الدلالة فى تفسير الزوجة لهذا الوضع بقولها: «ده صراع غريزى»، حيث تعيد المسألة إلى أصلها الحيوانى، فى إشارة ساخرة إلى أن الإنسان، رغم ادعاء العقلانية، لا يخرج تمامًا عن منطق الغرائز.
يتميز كتاب «خيال زوج»، بشكل عام، من الناحية الأسلوبية بلغة بسيطة قريبة من العامية، لكنها محملة بالإيقاع والحيوية، وتعتمد بشكل كبير على الحوار، ما يمنحه طابعًا دراميًا، كما يوظف الكاتب التكرار والمبالغة والمفارقة بوصفها أدوات رئيسية للسخرية، دون أن يفقد النص تماسكه.
اختار المستكاوى نموذج بطلة الكتاب مها بقرار واعٍ لتكون سيدة ذكية وجميلة ومثقفة، مشيرًا إلى تقاطع صفاتها مع صفات زوجته التى تجيد عدة لغات، وتتابع الشأن العام، وتحب الرسم وتقدر الفنون والقراءة، وفقًا لحديث سابق له، مؤكدًا أن هذا النموذج يمثل، فى نظره، الصورة الأمثل للمرأة المصرية، وأن هذه الرؤية تتناقض مع الصورة النمطية التى كثيرًا ما تقدمها بعض الأعمال الفنية، والتى تحصر المرأة فى مظهر تقليدى أو دور محدود داخل حدود المنزل، وهو ما لا يعكس، بحسب رأيه، تنوع وثراء الواقع الحقيقى للمرأة المصرية.
ومن هذا المنطلق، يبدو الكتاب فى جزء منه محاولة لإعادة تقديم المرأة المصرية بصورة أكثر اتساعًا وإنصافًا، وكأنه يسعى إلى تصحيح بعض الصور الذهنية الشائعة وإبراز حضورها الحقيقى فى الحياة والمجتمع.
يخلص المستكاوى إلى حقيقة مؤكدة كما أسماها هى: «كل زواج تقريبًا يبدأ بحب متبادل، أكرر: تقريبًا، وبعد فترة تبدأ مرحلة الصداقة، ثم تتلوها مرحلة التأمل والفلسفة، ثم مرحلة العشرة، ثم أسمى المراحل وأعلاها؛ وهى أن تراك زوجتك ابنها، وأن تراها أنت ابنتك».
فى النهاية، يقدم «خيال زوج» قراءة ساخرة لكنها عميقة للحياة الزوجية، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى مفاتيح لفهم علاقات القوة، والتوقعات، والتناقضات الإنسانية، ومن خلال هذا المزج بين الطرافة والصدق، ينجح حسن المستكاوى فى تقديم نص يلامس تجربة القارئ، ويجعله يرى فى هذه الحكايات انعكاسًا لحياته الخاصة، بكل ما فيها من شد وجذب، وهزيمة وانتصار.
حسن نجيب المستكاوى كاتب صحفى وناقد رياضى مصرى بارز، اشتهر بزاويته «ولنا ملاحظة»، وهو عضو مجلس تحرير جريدة الشروق ونجل الناقد الراحل نجيب المستكاوى، ورث عن والده عمدة الصحافة الرياضية الشغف بالصحافة، غير أنه طوره بالدراسة والخبرة ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات النقدية فى هذا المجال داخل مصر.
ورغم بصمته الواضحة فى الكتابة الرياضية، كما فى مؤلفات مثل «البطولة» و«النادى الأهلى»، فإنه فى هذا العمل يخرج من إطار الملاعب ليقدم رؤية إنسانية ناضجة حول «شركة» الزواج التى امتدت تجربته معها لأكثر من 35 عامًا، ملخصًا تأملاته فى نصيحة لافتة تقول: «كبر دماغك».