ما يحدث الآن حول العالم من حروب جنونية من أجل استمرار ثراء الدول الثرية، أو حديثة الثراء، ومع أنواع الاستعمار الجديد لفرض السلطات المطلقة لأفراد من الجنس البشرى يتوهمون قدراتهم الخارقة على تبديل النظام الكونى لأسباب مرضية تتعلق بعقد النقص، ومن برامج وأنظمة ضارة تؤدى للقضاء على التركيب المناخى الصالح لاستمرار الحياة على كوكبنا النادر بين بلايين الكواكب والنجوم، ومن أوهام عنصرية واجتماعية ودينية بتفوق نوع عن الآخر، وعن جهل أو التصميم على جهل ما حدث لنا كبشر منذ بداية رحلتنا الجسدية والعقلية إلى الآن بكل تاريخ حضاراتنا وأممنا، من القياصرة والأباطرة والملوك والرؤساء المنتخبين والمفروضين على الشعوب؛ كل هذا يجذب انتباهى، ويعلل استمرار استفسارى عن أحوالنا كبنى آدميين، ويبرر سؤالى عن أسباب تشويه الجمال؟ أو ما الدافع أثناء تطورنا إلى تشويه الجمال؟ تشويه الجميل هو تعبير عن تحريف أو تحطيم الشىء الجميل أو المثالى إلى شىء قبيح أو غير مرغوب فيه. قد يتمثل هذا فى العديد من السياقات، سواء كان ذلك فى الفن، أو الدين أو فى الطبيعة، أو حتى فى الأشخاص. كما يمكن أن ينطبق هذا أيضا على الحضارات بتاريخها القديم والحديث. فى بعض الأحيان، يمكن أن يتم تشويه الجمال عن عمد، مثل تدمير أو تحويل صورة جميلة لغاية معينة أو بسبب جهل أو قسوة، وأحيانًا يمكن أن يكون نتيجة لحوادث أو ظروف قاهرة.فمثلا فى الفن والدين، تشويه الجمال يمكن أن يحمل معانى مختلفة ويكون له تأثيرات عميقة. ففى الفن، وهو إحدى وسائل التعبير عن الجمال، يتجه الفنانون فى بعض الأحيان، إلى استخدام التشويه بشكل متعمد كوسيلة للتحدى أو لتحفيز التفكير النقدى، أو لخلق نوع من الصدمة للتعبير عن نقد اجتماعى أو سياسى، أو بهدف إثارة الأسئلة حول مفهوم الجمال أو حتى فهم القبح.أما فى الدين، فإن التشويه يتخذ بعدا آخر. وإن كان فى الكثير من الديانات، الجمال ليس مجرد مظهر خارجى، بل يرتبط بالقيم الروحية والأخلاقية، ويُعتبر هبة من الخالق، ويشمل جمال الروح والجسد. لذا يُنظر إلى التشويه كعمل سلبى سواء كان تشويها جسديا أو معنويا. كما قد يتحدث الدين عن تشويه الجمال كإشارة إلى الانحراف عن الفطرة أو الإفساد، كما يحدث فى بعض أشكال التجميل أو التعديلات الجسدية.أما تشويه الجمال فى تاريخ الإمبراطوريات والحضارات فله أبعاد تاريخية ودينية وسياسية معقدة تشمل تدمير الرموز الثقافية، فالإمبراطوريات كانت تحاول غالبا فرض ثقافتها وسيادتها على الشعوب الأخرى. فى بعض الأحيان، كان هذا يشمل تدمير أو تشويه الأعمال الفنية والتماثيل التى تمثل الجمال الثقافى لتلك الشعوب، وأيضا تشويه صورة الأعداء أو المعارضين. وخلال فترات من تاريخ الإمبراطورية الرومانية كان الرومان يتعمدون تدمير تماثيل المعارضين أو الأشخاص الذين يشكلون تهديدا لسلطتهم. وفى العديد من الحضارات، مع تغير نظام الحكم أو اتباع ديانات جديدة، قد يتم تحطيم أو إعادة تشكيل التماثيل الملكية أو الدينية لإضعاف هويتها الدينية أو الثقافية، كما كان يحدث أحيانا فى مصر القديمة، إذ كان تحطيم وتشويه تماثيل الآلهة أو الملوك، وسيلة للتخلص من تأثيرهم أو استمرارهم.أما عن تشويه الجمال الجسدى، فتشويه القدم، عادة «ربط الأقدام»، التى كانت تمارس فى الصين الإمبراطورية، فهى واحدة من أشهر الأمثلة فى التاريخ، حيث كانت العائلات النبيلة تقيد أقدام الفتيات منذ الصغر باستخدام أربطة ضيقة لتشويه أقدامهن بحيث تصبح صغيرة جدا، مما كان يُعتبر علامة على الجمال والطبقة الاجتماعية العليا. هذه العادة أدت إلى آلام ومعاناة شديدة للنساء، وظلت ممارستها مستمرة لعدة قرون حتى بداية القرن العشرين.وعن تشويه الجمال الثقافى والفنى، كانت إحدى استراتيجيات الإمبراطورية الإسبانية عندما غزت الأراضى الأمريكية، هى فرض الديانة المسيحية والثقافة الأوروبية، مما أدى إلى تدمير العديد من المعابد والآثار الثقافية لشعوب أمريكا الأصلية. السؤال الآن هل يعيش العالم بداية دورة حضارية جديدة ونهاية دورة قديمة؟ يرى بعض المفكرين أن النظام العالمى الذى نشأ بعد عصر النهضة والثورة الصناعية، يقترب من مرحلة التحول. ومن علامات هذا التحول، حروب متعددة، أزمات اقتصادية متكررة، استقطاب سياسى حاد، فقدان الثقة فى المؤسسات، وتغيرات ديموجرافية وثقافية كبيرة. هذا التحليل متأثر بأفكار مثل أفكار أوسفالد شبينجلر، كما فى كتابه المشهور «تدهور الحضارة الغربية»، الذى اعتبر أن الحضارات تمر بمرحلة «الشيخوخة» قبل التحول.ويعتقد البعض الآخر من المفكرين أننا فى بداية حضارة عالمية جديدة، وأن ما نعيشه ليس انهيارا، بل تحول تاريخى ضخم، والسبب هو ظهور قوى جديدة تغير شكل الحضارة، كالثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعى، والعولمة الثقافية، ووسائل التواصل الفورى بين البشر.وهناك تحليل آخر يقول إن الحضارة لا تنهار، بل يتغير مركزها الجغرافى. حدث هذا فى التاريخ مرات عديدة. من الشرق القديم إلى اليونان القديمة، ومن اليونان إلى الإمبراطورية الرومانية، ثم إلى أوروبا الحديثة. واليوم يعتقد بعض الباحثين أن مركز الثقل قد يتحول تدريجيًا نحو آسيا. مثال على ذلك صعود الصين والهند اقتصاديًا وتكنولوجيًا.أما المؤرخ أرنولد توينبى فكان يرى، حسب تحليله فى دراسة التاريخ، الحضارات لا تسقط فجأة، بل تمر بمرحلة اضطراب طويل قبل أن يظهر نظام جديد. وغالبًا ما تتميز هذه المرحلة بـصراعات فكرية، وتغييرات ثقافية كبيرة. وأينما نحن الآن إن كنا على مشارف ولادة عصر حضارى مختلف تماما، بسبب الذكاء الاصطناعى والهندسة الجينية، أو فى مرحلة وفاة ما تُسمى غالبا الحضارة الغربية الحديثة، وهى الحضارة التى نعرفها، كل ما نتمناه، ليس فقط الاهتمام بعدم تشويه الجمال، بل محاولة الحفاظ عليه ورعايته ونشره. فالحضارات تتوالى ولكل حضارة «شدة»، كما يقول المثل الشعبى: «لكل غربال شدة».
PAGE \* MERGEFORMAT 1
بوابة الشروق, ثقافة
17 أبريل، 2026