في السادس والعشرين من أبريل 2026، يحيي العالم الذكرى الأربعين لكارثة تشيرنوبيل، أكبر حادثة صناعية في تاريخ البشرية، فلم يكن الانفجار الذي وقع في المفاعل الرابع بمحطة تشيرنوبيل للطاقة النووية مجرد مأساة لأوكرانيا وحسب، بل حدثًا ذا أبعاد عالمية يمكن رؤية تداعياته حتى اليوم. فقد خلّف الحادث آثارًا صحية وبيئية واجتماعية غير مسبوقة؛ إذ امتدّ التلوث الإشعاعي إلى مساحات واسعة من أوروبا، وطال مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة، وأثّر في ملايين البشر.
أسباب كارثة تشيرنوبل
وبينما يحيي العام ذكرى المأساة، لا يزال من المهم فحص الأسباب، واستخلاص الدروس. فقد تبيّن لاحقًا أن أسباب الكارثة لا تعود فقط، أو حتى بالدرجة الأولى، إلى أخطاء تقنية، بل إلى نمط منهجي من اللامسؤولية في ظل النظام السوفييتي، الذي اتسم في حينه بعدم كشف الحقائق، والاستخفاف بمعايير السلامة. فقد أفادت التحقيقات لاحقًا ان المأساة وقعت نتيجة إجراء اختبارات خطرة على المفاعل بأمر سري صادر من موسكو. ولم يعلم العالم بالحادث إلا بعد تأخير، في حين ظلّ سكان الاتحاد السوفييتي أنفسهم لفترة طويلة في فراغ معلوماتي. وقد جرى التعتيم على حجم الكارثة، وتزوير التشخيصات الطبية، بل واستمر تنظيم الفعاليات الجماهيرية رغم التلوث الإشعاعي. وفي الذاكرة الإنسانية، تحوّلت تشيرنوبيل إلى خطأ كبير، أسهم في نهاية المطاف – من ضمن أمور أخرى -في انهيار الاتحاد السوفييتي.وعن ذكرى الكارثة، تحدث سفير أوكرانيا في القاهرة السيد ميكولا ناهورني إلى الدستور قائلًا: “أن مأساة تشيرنوبل تبرز بوضوح مفارقة موقف روسيا الاتحادية المعاصرة. فبينما تصرّ موسكو على تأكيد صفتها كدولةٍ خلفٍ للاتحاد السوفييتي، ولا سيما في إطار الأمم المتحدة، فإنها تتجنّب بشكل منهجي تحمّل المسؤولية عن الجرائم والأخطاء والإخفاقات الكارثية لتلك الحقبة. وتُعدّ تشيرنوبيل من أبرز الأمثلة، مضيفًا أن أوكرانيا، فقد وجدت نفسها بعد الاستقلال تتحمّل العبء الأكبر لمعالجة آثار الكارثة، لتواجه هذه التحديات إلى حدّ بعيد بمفردها، سواء من الناحية المالية أو المؤسسية، ومع الإقرار بأهمية الدعم الدولي، يبقى أن أوكرانيا اضطلعت بالدور الحاسم في احتواء تداعيات المأساة، بدءًا من إجلاء مئات الآلاف من السكان، وصولًا إلى إنشاء بنية تحتية معقّدة للسلامة، بما في ذلك تشييد الغلاف الآمن الجديد فوق المفاعل المدمَّر”.

دروس تشيرنوبل
دروس تشيرنوبيل لا تزال حاضرة الآن من أي وقت مضى. فمنذ اندلاع الحرب على أوكرانيا، عاد الحديث مجددًا عن المخاطر النووية، وقد كانت منطقة تشيرنوبيل من أوائل المواقع التي استولت عليها القوات الروسية، ورصد المجتمع الدولي العديد من الانتهاكات التي تؤثر على معايير السلامة النووية، فقد تم تسجيل أضرار في البنية التحتية الحيوية للمحطة، كما أدى الانقطاع المؤقت لإمدادات الكهرباء الخارجية إلى تهديد أنظمة تبريد الوقود النووي المستهلك. وأسفر وجود المعدات العسكرية في المناطق الملوثة عن إثارة الغبار الإشعاعي، في حين عمل موظفو المحطة تحت ظروف قسرية ومن دون تناوب كافٍ، مما زاد من احتمالات وقوع أخطاء جسيمة، بينما حذّرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مرارًا من المخاطر الحرجة، غير أن الوضع لا يزال بالغ الهشاشة.وفي هذا السياق علق “ناهورني” للدستور: ” في ليلة 13–14 فبراير 2025، أصابت طائرة مسيّرة روسية غلاف الأمان فوق المفاعل المدمّر، ما أدى إلى إلحاق أضرار بالهيكلين الخارجي والداخلي للقوس وتعطيل نظام الرافعات. وقد شكّل ذلك انتهاكًا صارخًا وغير مسبوق لكافة القواعد الدولية للسلامة النووية”.وأضاف سفير أوكرانيا في القاهرة: “أن روسيا نتهج النهج ذاته في في محطة زابوريجيا للطاقة النووية، حيث أدى احتلالها وعسكرتها وإلحاق الأضرار ببنيتها التحتية، فضلًا عن الحوادث المتكررة، بما في ذلك الانفجارات واستهداف أنظمة الطاقة الطارئة، إلى خلق تهديد دائم بوقوع كارثة جديدة ذات أبعاد عالمية.
تعزيز السلامة النووية
وفي ظل هذه المعطيات، وبالتوازي مع ما يجرى في الشرق الأوسط حول المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي، فإنه تبرز ضرورة تعزيز السلامة النووية في زمن الحرب كأولوية قصوى، فبينما ايزال المشهد النووي في إيران غير واضحًا، فإن الوضع مختلف في أوكرانيا التي تعمل حاليًا على تطوير منطقة تشيرنوبيل كمحمية علمية وطبيعية فريدة، وتحسن أنظمة الرصد، لضمان الرقابة على المواد النووية، وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة، بما في ذلك الغلاف الآمن. وقد بدأ المجتمع الدولي بالفعل الاعتراف بأهمية هذه الجهود، حيث دعمت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2025 قرارًا بشأن تعزيز التعاون الدولي لمعالجة آثار كارثة تشيرنوبيل، بما يؤكد أن القضية لم تعد شأنًا أوكرانيًا فحسب، بل تحديًا عالميًا.إن تشيرنوبيل ليست مجرد مأساة من الماضي، بل درسٌ للمستقبل. فقد أثبت تلوث مساحات واسعة من أوروبا عام 1986 أن الخطر النووي لا يعترف بالحدود. واليوم، في ظل تحوّل المنشآت النووية إلى أدوات في النزاعات المسلحة، لا يملك العالم ترف السماح بتكرار مثل هذه الكارثة.