قالت الكاتبة نورا ناجي إن الفكرة التي تشغلها دائمًا في الكتابة هي العلاقة بين التجربة الحياتية وتحولها إلى نص، موضحة أن لحظة تحويل الواقع إلى كتابة تمنح العمل صدقه، لكنها في الوقت نفسه تخلق نوعًا من الانكشاف الإنساني.
وأضافت خلال الأمسية التي نظمتها مكتبة «الميكروفون» بالدقي، لمناقشة روايتها «بيت الجاز»، الصادرة عن دار الشروق، والحائزة على جائزة الشيخ يوسف بن عيسى للكتاب في فرع الآداب (الرواية)، أن الكاتب يظل في حالة اختبار دائم مع ذاته، لأن كل ما يعيشه يمكن أن يتحول إلى مادة روائية، سواء كانت ذكريات شخصية أو مواقف عاطفية أو حتى لحظات فقد، مشيرة إلى أنها واجهت هذا الإحساس بقوة عند وفاة قريبة لها، حيث اختارت وقتها ألا تكتب عنها فورًا، رغم حضور التجربة العاطفية الشديدة.
وتابعت أنها تدرك أن كل تجربة إنسانية يمكن أن تتحول إلى نص، لكن هذا التحول ليس دائمًا سهلاً، لأنه قد يجعل العلاقة بين الحياة والكتابة أكثر تعقيدًا، لافتة إلى أنها توقفت أحيانًا عن هذا التداخل عندما شعرت أن كل شيء بدأ يُرى من زاوية الكتابة فقط.
وأوضحت أن الكتابة تمنح القدرة على التعبير والتفريغ، لكنها في المقابل تحمل ثمنًا نفسيًا كبيرًا، لأن الكاتب يعيد تشكيل حياته باستمرار داخل النصوص، مؤكدة أن هذا ما يجعل التجربة الأدبية مكثفة ومؤثرة، لكنها أيضًا مرهقة.
وأكدت أن كل كاتب يواجه معادلة صعبة بين الحرية في الكتابة والقيود الاجتماعية والشخصية، مشيرة إلى أن الدعم العائلي يمثل عنصرًا مهمًا في قدرتها على الاستمرار في الكتابة دون تردد أو خوف.
ونوهت بأن الكتابة بالنسبة لها ليست مجرد إنتاج أدبي، بل تجربة ممتدة لها ثمنها، لكنها في الوقت نفسه تمنح لحظات من الرضا بعد اكتمال النص، رغم ما تحمله من قلق وأسئلة لا تنتهي.
وبينت أن اختلاف المكان الذي يعيش فيه الإنسان يترك أثرًا واضحًا في وعيه وسلوكه وطرائق رؤيته للعالم، موضحة أن الإنسان نفسه قد يبدو مختلفًا باختلاف البيئة، سواء كان في مدينة صغيرة أو كبرى أو منطقة ريفية أو حتى عشوائية، رغم أن الجوهر الإنساني واحد.
وأضافت أن هذا التباين بين الأمكنة ينعكس في الكتابة، حيث يمنح كل مكان طبقة مختلفة من الحكاية، مشيرة إلى أنها تلاحظ كيف تتداخل التفاصيل اليومية مع المصائر الإنسانية، سواء في محيط المقابر أو المستشفيات أو الأحياء الشعبية، وهو ما يخلق تنوعًا في المشهد الروائي ويثريه.
وتابعت أن المكان بالنسبة لها ليس خلفية ثابتة للأحداث، بل عنصر حيّ يتغير مع الزمن، تمامًا كما تتغير الشوارع والمباني والناس، لافتة إلى أن هذا التحول المستمر في الجغرافيا ينعكس بالضرورة على الشخصيات وطريقة كتابتها.
وأوضحت أنها تميل إلى الكتابة من أماكن تعرفها جيدًا وتشعر فيها بالارتياح، لأن الإحساس بالمكان جزء أساسي من بناء النص، مؤكدة أن المكان يتغير مع الزمن، ومعه تتغير الكتابة نفسها، بما يفرض على الكاتب إعادة اكتشافه باستمرار.
وأكدت أنها لا تتعامل مع الكتابة بوصفها عملية عشوائية، بل كاختيار دقيق يعتمد على تراكم الخبرة، حيث تجمع الأفكار والقصاصات في ملفات خاصة، تعود إليها لاحقًا لتحديد ما يمكن تطويره داخل النصوص.
واختتمت بأن عملية الكتابة تمر بمراحل متعددة من الاختيار والتهذيب والحذف والإضافة، وأن ما يبدو في النهاية نصًا متماسكًا هو نتيجة عمل طويل من الفرز وإعادة التشكيل، مع الاحتفاظ فقط بما يخدم البناء الروائي ويمنحه صلابته.
بوابة الشروق, ثقافة
6 مايو، 2026