اليوم السابع, ثقافة 21 يونيو، 2026

الحرية المسلوبة، والرقيب الذي لا ينام، والاستبداد الذي يطيح بالرؤوس، والخوف المزمن الذي ينهش الحياة حتى يفرغها من معناها… عالم تُطارَد فيه الفكرة قبل صاحبها، ويُخنق الشعور قبل أن يُولد، وتُختزل الحياة كلها في ظل «سلب الحريات والتقاليد والعادات البالية»؛ حيث لا مجال لذاتٍ مستقلة، ولا مكان لروحٍ حرة, إما أن تسير مع القطيع، أو تُساق إلى عذابٍ يسبق الموت.

هكذا يفعل الطغاة: ينزعون فتيل الشعور، ويحطمون الكرامة، ويعيدون تشكيل الإنسان ككائنٍ مطيع، منزوع الإرادة. لا يُسمح لك أن تختار طريقك؛ فطريقك مرسوم قبل أن تولد، ومهمتك الوحيدة أن تُكمله كما أرادوه لك. وإن خطر لك أن تتمرد، فمصيرك السحق، لأن تمردك- في نظرهم – تهديدٌ لكيانهم القائم على الخوف.

يكتشف الإنسان، متأخرًا، الخدعة الكبرى: أن حياته التي ظنها ملكه ليست له، وأن قلبه وعقله وجسده ليست إلا أشياء مُعارة، تُسلب منه متى شاؤوا. يصبح مجرد تابع، لا يملك من نفسه إلا الطاعة، ويُطلب منه—ساخرين—أن يكون راضيًا وهو يُسلب. أما المخالف، فشعاره التعذيب، ومصيره السجون البعيدة، حيث يُمحى الإنسان ببطء.

لكن السؤال الأشد قسوة, لماذا يسعى بعض الناس إلى العبودية بأيديهم؟ لماذا يُسلمون أعناقهم للسوط، ويمنحون جلاديهم القوة؟ كيف يتحول الإنسان من كائنٍ يطلب الكرامة، إلى آخر يعتاد الهوان، بل ويدافع عنه؟

ليست العبودية دائمًا مفروضة؛ أحيانًا تكون مُستبطنة، تسكن النفوس حتى تصبح جزءًا منها. ترى أناسًا من أهل العلم والتربية، ومع ذلك يشيحون عن الحقيقة، ويبررون القهر، ويصنعون للطغاة هالةً من الشرعية. ينسون أنهم خُلقوا أحرارًا، ويُسكتون ضمائرهم حتى لا تعيقهم عن التكيف مع الذل.
تُساق الجموع كما تُساق القطعان، بالتهديد تارة، وبالخداع تارة أخرى.

تُكمم الأفواه، وتُقيد الأيدي، وتُجرّ الشعوب نحو هاويةٍ تُرسم لهم باسم النظام أو المصلحة. وتعلو أصواتٌ مريضة، لم تنل حظًا من تهذيب أو وعي، فتتصدر المشهد، وتحتكر الفعل، وتنسب لنفسها ما لم تصنعه، وتحارب كل نجاحٍ لا يُنسب إليها.

والأخطر من ذلك، أن هذه الحشود لا تدرك أنها شريكة في صنع قيودها؛ تهتف لمن يقيدها، وتدافع عمّن يسلبها، وتقاتل من أجل السلاسل التي تلتف حول أعناقها. كأنها أدمنت الخضوع، حتى صار التحرر عبئًا تخشاه, إنها عودة قاسية إلى زمن الخوف، حيث يُصنع الطغاة كما تُصنع الأصنام، لا في الخفاء، بل في العلن، وعلى مرأى من الجميع. يخرجون أكثر جرأة، وأكثر قدرة على التحكم، فيما يتراجع الوعي، ويبهت الأمل.

ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا, هل يمكن لإنسانٍ أدرك قيده أن يتحرر؟ أم أن أخطر أنواع السجون, هي تلك التي لا نراها, ونساهم نحن في بنائها؟

زيارة مصدر الخبر