في الحروب، لا تنتهي المأساة دائما عند لحظة الموت، فهناك من ينجون من القصف ليجدوا أنفسهم في مواجهة معاناة أخرى لا تقل قسوة، معاناة الإصابة والألم والانتظار، هكذا تبدو حكاية الشاب الفلسطيني حسام الدين محمد أبو العلا، الذي أصبح الأمل الأخير لعائلته بعد أن فقدت أحد أبنائها خلال الحرب الإسرائيلية على غزة.
استشهاد جمال الدين محمد
داخل منزل أثقلته الخسارات، تتردد أسماء الغائبين أكثر مما تُروى أحاديث الأحياء، فالعائلة التي ودعت ابنها جمال الدين محمد أبو العلا، شهيد مجمع ناصر الطبي خلال الحرب، لم تلتقط أنفاسها بعد من صدمة الفقد، حتى وجدت نفسها تخوض معركة جديدة لإنقاذ ابنها الجريح حسام الدين، الذي لا يزال يعاني من إصابات الحرب وتداعياتها الصحية المتفاقمة.
لم يكن حسام يتوقع أن يتحول من شاب يحلم بمستقبله إلى مريض ينتظر دوره في قائمة سفر قد تمنحه فرصة للعلاج والنجاة، فمنذ إصابته، دخل رحلة طويلة من الألم الجسدي والنفسي، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية في غزة من نقص حاد في الإمكانات والأدوية والتجهيزات الطبية اللازمة للتعامل مع الحالات المعقدة.

المصاب حسام الدين محمد
إصابة الشقيق حسام
وتقول الأسرة إن حسام نجا من الموت، لكنه لم ينجُ من آثار الإصابة التي ما زالت تلاحقه يوما بعد يوم، فحالته الصحية تتطلب رعاية وعلاجا متخصصا غير متوفر داخل القطاع، فيما تزداد المضاعفات الصحية مع مرور الوقت، وسط مخاوف حقيقية من أن تتحول الإصابة إلى معاناة دائمة قد تترك آثارا لا يمكن علاجها لاحقا.
وبين جدران المستشفى وغرف الانتظار، حاول الأطباء تقديم ما يستطيعون من رعاية، إلا أن الطبيب المعالج أكد حاجته إلى استكمال العلاج خارج غزة، وأصدر له تحويلة طبية معتمدة من وزارة الصحة الفلسطينية، تم تجديد التحويلة مرتين بسبب تأخر إجراءات السفر، لكن رغم ذلك لا يزال اسم حسام بعيدا عن قوائم المغادرين لتلقي العلاج.

التقرير الطبي لحسام الدين محمد
وتعيش الأسرة حالة من القلق المتواصل وهي تراقب الوقت يمر دون أي تقدم، فكل يوم إضافي من الانتظار يحمل معه مزيدا من الألم والخوف، حيث تقول الأسرة إن أصعب ما في الأمر ليس الإصابة نفسها، بل الشعور بالعجز أمام تدهور الحالة الصحية لشاب يحتاج إلى علاج معروف ومتاح في أماكن أخرى، لكنه يبقى بعيد المنال بسبب تعقيدات السفر وظروف الحرب.
معركة أكثر إيلاما
ويقول حسام الدين محمد، لـ”اليوم السابع”، إن فقدان الشهيد جمال الدين جعل معركته الحالية أكثر إيلاما، فالعائلة التي لا تزال تستحضر ذكرياته وتعيش وجع غيابه، تخشى أن تجد نفسها أمام خسارة جديدة، وبين صور الشهيد التي ما زالت تزين أركان المنزل، أجلس مصابا، أحاول مقاومة الألم بينما تحاول أسرته مقاومة الخوف.

التحويلة الطبية لحسام الدين محمد
ويضيف، أنه أصبح اليوم الناجي الوحيد الذي تتمسك به عائلته بعد سلسلة الخسارات التي تعرضت لها خلال الحرب، لذلك فإن تأخر سفره للعلاج لا يمثل مجرد إجراء إداري مؤجل، بل قضية حياة أو موت بالنسبة لعائلة أنهكتها المآسي.
ومع ازدياد المضاعفات الصحية، تتضاعف المناشدات، فالأم التي فقدت ابنا شهيدا لا تطلب سوى فرصة لإنقاذ ابنها الآخر، أما حسام نفسه، فيعيش أيامه بين الألم والأمل، مترقبا خبرا قد يغير مصيره ويمنحه فرصة لاستكمال العلاج واستعادة جزء من حياته التي سرقتها الحرب.
وفي غزة، حيث تتشابه قصص الوجع وتختلف الأسماء، تبقى حكاية حسام الدين محمد أبو العلا واحدة من آلاف الحكايات الإنسانية التي تختصر حجم المعاناة التي يعيشها الجرحى، لكنها بالنسبة لعائلته ليست مجرد قصة بين قصص كثيرة، بل معركة أخيرة من أجل إنقاذ ما تبقى لهم من حياة بعد أن أخذت الحرب منهم الكثير.
واليوم، لا تطلب الأسرة أكثر من فتح الطريق أمام علاج ابنها في الخارج، أملا في أن يتحول الانتظار إلى نجاة، وأن يكون السفر بداية جديدة لشاب نجا من القصف، لكنه ما زال يخوض معركة البقاء كل يوم.

الأشعة الخاصة بحسام الدين محمد
ويكشف مدير الإغاثة الطبية في غزة محمد أبو عفش، أن الاحتلال ينتهج سياسة “خداع ومماطلة مبرمجة لإظهار المعابر أمام العالم وكأنها تعمل بشكل طبيعي”، موضحا أن الاتفاق نص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا، بينما تسمح إسرائيل بدخول أقل من 30% منها.
ويضيف، أن الاحتلال يفتح المعابر ليوم أو يومين ثم يغلقها بقية الأسبوع، والقوات الإسرائيلية دمرت أكثر من 90 بئر مياه في قطاع غزة، مشيرا إلى أن معظم محطات تحلية المياه متوقفة بسبب منع إدخال قطع الغيار ومستلزمات الصيانة.
ويوضح أن رواية الاحتلال بشأن ضخ كميات كبيرة من المياه إلى غزة غير صحيحة، وهناك مناطق لم تصلها المياه منذ فترات طويلة، والمواطنون يضطرون منذ ساعات الفجر للبحث عن المياه والمساعدات الغذائية في ظل أوضاع معيشية قاسية، و فصل الصيف فاقم المعاناة الصحية مع انتشار الأمراض والأوبئة وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال.