تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة تطورات متسارعة تعكس اتساع الفجوة بين المساعي الأمريكية المطروحة لإنهاء الحرب وإرساء تسوية سياسية، وبين التحركات الإسرائيلية على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية أو من خلال رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لخطة “مجلس السلام”. وفي الوقت الذي كانت فيه قطاعات من الشارع الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة، تنظر إلى المبادرة الأمريكية باعتبارها فرصة لإنهاء الحرب والنزوح، جاءت المواقف الإسرائيلية لتعيد حالة الإحباط والقلق إلى الواجهة.وتبرز إقامة مستوطنة “عيمك دوتان” بالقرب من بلدة عرابة في محافظة جنين باعتبارها واحدة من أبرز التحركات التي تكشف طبيعة المشهد الجديد في شمال الضفة الغربية. ووفق تقرير ميداني عرضته قناة النيل للأخبار، تمثل المستوطنة الجديدة خطوة أولى ضمن مشروع أوسع يستهدف إقامة 19 مستوطنة وبؤرة جديدة في مناطق مختلفة من شمال الضفة، في إطار تحركات تحظى بدعم مباشر من حكومة الاحتلال.ولا تقتصر خطورة هذه التحركات، بحسب ما أورده التقرير، على إنشاء تجمعات استيطانية جديدة، وإنما تمتد إلى محاولة خلق تواصل جغرافي بين مجموعة من المستوطنات والبؤر القائمة أو التي تجري إعادة إحيائها، ومن بينها “مفودوتان” و”حُمش” و”شانور” و”غنيم” و”كديم”، ويؤدي هذا المسار إلى تغيير طبيعة الخريطة الجغرافية للمنطقة، من خلال ربط التجمعات الاستيطانية ببعضها وإحكام السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، بما ينعكس على حركة الفلسطينيين وعلى إمكانية الحفاظ على تواصل جغرافي بين بلداتهم.
الاستيطان كأداة لإعادة رسم الخريطة
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن التوسع الاستيطاني لا يتحرك بمعزل عن ضغوط ميدانية متزايدة يتعرض لها السكان الفلسطينيون، ولا سيما في المناطق الزراعية والتجمعات البدوية والمناطق المفتوحة، فقد شهدت مناطق تمتد من شمال الضفة إلى وسطها اعتداءات طالت مواطنين ومزارعين ونشطاء سلام، بالتزامن مع تدخلات عسكرية شملت اعتقال مواطنين فلسطينيين وتفريق الاحتجاجات.كما يقدم التقرير نموذجين من هذه التطورات من خلال ما شهدته مناطق مثل تجمع “عرب الكعابنة” وقرية “المغير” شرق رام الله، حيث ترافقت الاعتداءات والضغوط على السكان مع تحركات استيطانية تهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض، وتأتي هذه الممارسات، في سياق مئات الاعتداءات التي ترصدها جهات حقوقية بصورة شهرية، والتي تستهدف بصورة خاصة التجمعات الفلسطينية المهمشة والبدوية.
إعداد قوائم لاستيعاب مئات العائلات الاستيطانية الجديدة
وتكمن خطورة هذا المسار في تأثيره المباشر على قدرة هذه التجمعات على الاستمرار في النشاط الزراعي والإنتاجي والتنمية المحلية، بما قد يدفع سكانها إلى النزوح من مناطقهم، ويفتح المجال أمام الاستيطان للتمدد في المساحات التي تخلو من الوجود الفلسطيني.كما يلفت التقرير إلى أن التحركات على الأرض لا تقتصر على بناء المنازل المتنقلة أو إقامة البؤر، وإنما تشمل كذلك إعداد قوائم لاستيعاب مئات العائلات الاستيطانية الجديدة، والسيطرة على السهول والأراضي الزراعية. ويقرأ محللون ومتابعون هذه الخطوات باعتبارها جزءًا من مسار سياسي وقانوني يهدف إلى تثبيت واقع جديد في الضفة الغربية، بما قد يمهد لإجراءات أكثر اتساعًا بشأن مستقبل الأراضي المحتلة.وذكر التقرير أن في حال استمرار هذا المسار، فإن إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة تصبح أكثر صعوبة، في ظل تزايد المستوطنات والبؤر التي تفصل بين التجمعات الفلسطينية وتحول دون وجود امتداد جغرافي متصل.
رفض نتنياهو يعيد الإحباط إلى غزة
وبالتوازي مع التطورات الميدانية في الضفة الغربية، كانت ردود فعل الشارع الفلسطيني وسكان قطاع غزة على إعلان نتنياهو رفض خطة “مجلس السلام”، سجلت حالة من الصدمة والإحباط.فقد كان كثير من الفلسطينيين، بحسب الشهادات التي تضمنها التقرير، ينظرون إلى الخطة والمبادرة الأمريكية باعتبارهما فرصة لإنهاء الحرب، ووقف القصف والقتل والنزوح والحصار، ولذلك أعاد الرفض الإسرائيلي حالة الخيبة إلى الشارع، بعدما كان هناك أمل في أن تفتح الخطة الباب أمام مرحلة من الهدوء والاستقرار.وعبر أحد المواطنين عن حزنه من التطورات، موضحًا أن الخطة أعادت في البداية الأمل بإمكانية الوصول إلى الاستقرار، إلا أن رفض نتنياهو أعاد مشاعر الإحباط من جديد، بينما رأى مواطن آخر أن الموقف الإسرائيلي لم يكن مفاجئًا بالنسبة إليه، معتبرًا أن حسابات نتنياهو السياسية والانتخابية تتقدم على الاعتبارات المرتبطة بتحقيق السلام أو حماية حياة المواطنين.كما عبرت مواطنة عن صدمتها من رفض الخطة، مشيرة إلى أن مطلب الأهالي الأساسي كان واضحًا ومباشرًا، ويتمثل في توقف القصف والقتل والتشريد والحصار، وهي المطالب التي أصبحت بالنسبة إلى سكان القطاع مرتبطة بأي محاولة لإعادة الهدوء والاستقرار.ويرى مراقبون أن نتنياهو يواجه ضغوطًا من حلفائه في الائتلاف الحكومي، خاصة التيارات المنتمية إلى أقصى اليمين، إلى جانب الحسابات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل، وتضع هذه الحسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام معادلة سياسية معقدة، إذ إن أي تنازل في ملفات الحرب أو الاستيطان أو مستقبل الأراضي الفلسطينية قد يهدد تماسك ائتلافه، بينما يؤدي التشدد إلى تعقيد الجهود الأمريكية الرامية إلى تثبيت التهدئة والوصول إلى تسوية مرحلية.وفي هذا السياق، تبدو خطة “مجلس السلام” أمام اختبار حقيقي، خاصة مع وجود ترتيبات تستهدف تخفيف العمليات العسكرية واستعادة الهدوء، في وقت تهدد فيه المواقف الإسرائيلية المتشددة بتجميد خارطة الطريق بالكامل.