أكد خبراء اقتصاد أن الشراكة بين مصر وتركيا تمثل إضافة نوعية لمنظومة التحالفات الاقتصادية المصرية مع أوروبا ودول الخليج، بما يعزز فرص تحقيق النمو المستدام وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي. وأوضح الخبراء أن تطوير اتفاقية التجارة الحرة بين القاهرة وأنقرة من شأنه خفض تكاليف الإنتاج والنقل، وزيادة تنافسية صادرات البلدين في الأسواق الدولية، مستفيدة من المقومات الصناعية واللوجستية القوية لكليهما.وأشاروا إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعد منصة استراتيجية جاذبة للاستثمارات التركية بفضل بنيتها التحتية المتطورة، وحوافزها الاستثمارية، وموقعها الفريد الذي يربط ثلاث قارات، مما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للتصنيع وإعادة التصدير. وتوقع الخبراء أن يسهم التقارب السياسي الأخير وزيارات القمة بين قيادتي البلدين في إحداث نقلة نوعية بالاستثمارات المتبادلة والتبادل التجاري، مع إمكانية الوصول به إلى مستويات غير مسبوقة قريباً.وشددوا على أن المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية للانتقال من منطق التبادل التجاري التقليدي إلى الشراكة الاستراتيجية القائمة على التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل قيمة إقليمية تخدم مصالح الطرفين وتعزز الاستقرار الاقتصادي في شرق المتوسط.
د. محمد باغة: توجه استراتيجي لتنويع الشراكات
استهل الدكتور محمد باغة، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة قناة السويس، حديثه بالإشارة إلى أن التحركات الأخيرة في مسار العلاقات المصرية التركية تعكس توجهاً استراتيجياً واعيًا للدولة المصرية لتنويع شراكاتها وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لمواجهة التحديات العالمية واضطراب سلاسل الإمداد.وأكد باغة، في تصريحات خاصة لجريدة “الدستور”، أن هذا التقارب لا ينفصل عن سياق تحالفات مصر مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، حيث تمثل تركيا إضافة مهمة بقاعدتها الصناعية المتقدمة وخبراتها التكنولوجية المتراكمة.وأوضح أن الاقتصاد كان دائمًا المسار الأكثر استقرارًا في علاقات البلدين حتى في فترات التوتر السياسي، مما يعكس عمق المصالح المشتركة.وأضاف أن تحديث اتفاقية التجارة الحرة بات ضرورة ملحة لخفض التكاليف اللوجستية والجمركية وتحسين بيئة التبادل.كما لفت إلى أن تحويل مصر لمركز إقليمي للتصنيع يمثل قيمة مضافة للشركات التركية ويدعم أهداف الدولة المصرية في تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات، متوقعاً أن يدفع التقارب السياسي الاستثمارات التركية نحو قطاعات كثيفة العمالة مثل الغزل والنسيج، والصناعات الهندسية، والكيماوية، والطاقة المتجددة.واختتم باغة بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق استدامة التبادل عبر التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بتبادل السلع النهائية، مؤكداً أن نجاح هذه الشراكة يتطلب تنسيقاً مؤسسياً فعالاً وتفعيل دور مجالس الأعمال المشتركة.
د. أشرف غراب: مكاسب اقتصادية وزيادة في حجم التبادل
من جانبه، رصد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية، المكاسب الاقتصادية لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمصر، موضحاً أن توقيع مذكرات تفاهم في مجالات الاستثمار، والتجارة، والصحة، والزراعة، والدفاع، يمثل خطوة هامة نحو شراكة متكاملة.وأشار غراب إلى أن الفترة المقبلة ستشهد زيادة في الاستثمارات التركية بمصر، خاصة مع تبادل الوفود وتنظيم منتديات الاستثمار، مما يسهم في رفع حجم التبادل التجاري ليصل إلى نحو 15 مليار دولار، علماً أنه بلغ 6.8 مليار دولار في عام 2025 وفق الإحصاءات الرسمية. وتوقع غراب غزو المنتج المصري لأسواق جديدة في تركيا، لافتاً إلى رغبة الشركات التركية في التوسع بمناطق العاشر من رمضان، و6 أكتوبر، ومنطقة قناة السويس.وأوضح أن الاستثمارات التركية تجاوزت 4 مليارات دولار عبر أكثر من 700 شركة، مؤكداً أن بيئة الاستثمار المصرية، بتشريعاتها وقوة بنيتها التحتية، تعد عاملاً جاذباً، خاصة بعد إنشاء اللجنة الوطنية لتعزيز ومتابعة الاستثمارات التركية واللجنة الفنية للصناعات الدوائية.
د. محمد رضا: بناء تحالف إقليمي مؤثر
في سياق متصل، أكد الدكتور محمد رضا، الخبير الاقتصادي، أن الدولة المصرية تتحرك بخطوات مدروسة، حيث تأتي الشراكة مع تركيا كخطوة تالية لشراكاتها مع الاتحاد الأوروبي والإمارات والسعودية وقطر لبناء تحالف إقليمي مؤثر.وأوضح رضا لـ”الدستور” أن زيارة الرئيس التركي جاءت في توقيت دقيق اقتصادياً، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية تقف أمام “اختبار الفرصة التاريخية”. وذكر أن حجم التبادل التجاري سجل تطوراً ملحوظاً ليصل إلى 8.8 مليار دولار في عام 2024، بزيادة مليار دولار عن عام 2023، مع توقعات ببلوغه 10 مليارات دولار قريباً.وبين رضا أن الصادرات المصرية تشمل الكيماويات، والأسمدة، والمنسوجات، بينما تضم الواردات التركية الحديد، والآلات، والوقود، مشدداً على أن استهداف 15 مليار دولار للتبادل التجاري هو هدف قابل للتحقق عبر إزالة العوائق اللوجستية وتحديث اتفاقية التجارة الحرة.ولفت إلى أن الاستثمارات التركية في مصر، المقدرة بنحو 3 إلى 4 مليارات دولار عبر 1700 شركة، وفرت أكثر من 100 ألف فرصة عمل، محققة نجاحاً كبيراً حتى في ظل ظروف سياسية سابقة لم تكن مثالية. واختتم بالتأكيد على أن توطين الصناعات المشتركة في قطاعات الطاقة، والمنسوجات، والخدمات اللوجستية، هو المدخل الأهم لتحقيق استدامة هذه الشراكة الاستراتيجية.