بينما تتجه أنظار العالم إلى باكستان لمتابعة نتائج المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، تطرح مراكز التفكير الاستراتيجي سؤالا جادا حول إمكانية صمود تلك المفاوضات، ناهيك عن توصلها لأي نتيجة لا لسبب في الأساس إلا لاختلاف الرؤى الأمريكية الإسرائيلية حول طبيعة الحرب وأهدافها. حرب الأسابيع الستة كشفت أن التحالف الأمريكي/الإسرائيلي ضد إيران يعاني من “خلل وظيفي” ناتج عن تضارب الرؤى وتناقض الأهداف النهائية، وهو خلل قد تنجح طهران في تحويله إلى طوق نجاة استراتيجي. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم يشعل تلك الحرب، ولم يخطط لها منذ سنوات، ولم يستغل وجود ترامب على رأس الولايات المتحدة، لتحسين شروط التفاوض مع إيران وحسب. نتنياهو المأزوم يعتبر تلك الحرب معركة الخلاص من العائق الأكبر في المنطقة أمام حلم إسرائيل الكبرى من خلال تفكيك بنية النظام الإيراني من جذوره. تل أبيب المتغلغلة استخباراتيا بعمق داخل المجتمع الإيراني، ترى أن بقاء نظام الملالي – ولو ضعيفا – يعني قدرته الحتمية على إعادة ترميم نفسه والعودة كتهديد داهم. من هنا، كان الرهان الإسرائيلي قائما على استهداف رأس الهرم، وتغيير النظام كليا كهدف أوحد لا يقبل التجزئة. الرهان الاسرائيلي على تتابع سقوط النظام في إيران بمؤسساته وأجهزته بعد قطع الرأس، كذبه الأداء الإيراني في أرض المعركة. استعداد الإيرانيين لهذا السيناريو وتجهيزهم لصفوف البدلاء في كل موقع فاجئ الصهاينة، وربما أقنعهم أن عملية إسقاط الأنظمة في الدول الكبيرة والمجتمعات العميقة عملية شديدة التعقيد، لا سيما في ظل اصطفاف الشعب خلف قيادته رغم الخلافات. في الجانب الآخر، يتحرك الرئيس الأمريكي مدفوعًا بـ”عقيدة الصفقة”، التي تحكم سلوكه السياسي، فالولايات المتحدة دخلت هذه المواجهة وهي تنطلق من فرضية أن استعراض القوة المفرط سيقود طهران في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات خاضعة مستسلمة. هدف ترامب من الحرب لم يكن هدم المعبد، بل إجبار حراسه على تسليم المفاتيح. اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، كان الاختبار الأخطر لبنية الدولة الإيرانية. بعد هذه اللحظة تحديدا سقطت الرهانات الغربية على حدوث انهيار مؤسسي سريع أو بطيء. سرعة انتقال السلطة إلى نجله “مجتبى” خلال عشرة أيام فقط، وتحت وطأة القصف، عكست حقيقة أن الجمهورية الإسلامية أعادت صياغة نفسها حول “عقيدة أمنية” أكثر تماسكا لكنها ستكون بالقطع أكثر تشددا. صعود مجتبى خامنئي، ببرنامجه وتوجهاته الراديكالية واضعا عقيدة “البقاء” فوق كل اعتبار ديني أو سياسي، أغلق الباب أمام أوهام التغيير السهل من الداخل. من هذه الزاوية تحديدا، فإن النظام الإيراني – الذي يرى في الصمود مرادفا للنصر – استغل العدوان الأمريكي/الإسرائيلي متباين الأهداف، ليعزز شرعيته الداخلية، ويثبت قدرته على تصدير أزمته للعالم كله بعد نجاحه في إحداث أزمة طاقة عالمية كأداة ضغط جيوسياسي بإغلاق مضيق هرمز رغما عن إرادة ترامب ونتنياهو. لقد وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وقف إطلاق النار كـ”هدنة مؤقتة” مع الإبقاء على “الأيادي على الزناد”، ما يعني أن النظام لم يخرج من المواجهة منكسرا، بل أثبت قدرته على استغلال التناقض الواضح بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ليصيغ سرديته الخاصة التي استقبلها العالم كله بالقبول، بينما رفض تبريرات واشنطن وتل أبيب للحرب. اختلاف أهداف أمريكا وإسرائيل في الحرب كان كفيلا بأن يجعل منهما قوتين تعرقل كل منهما الأخرى، فلا ترامب يريد إغراق إيران في فوضى تعاني منها المنطقة لسنوات قادمة، وتؤثر بالتبعية على المصالح الأمريكية، ولا نتنياهو سيرضى بانتهاء الحرب دون إسقاط النظام وتفكيك إيران في ظل اختلاف الأهداف الأمريكية/الإسرائيلية كان لإيران هدف واحد واضح ووحيد يتمثل في “البقاء والصمود” وهو بالنسبة لطهران المعنى الكامل للنصر. شيء ما يعيد للذاكرة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ونتائجه التي قضت على الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكيف أن مصر التي لا تكن تملك قوات عسكرية كافية لردع العدوان أو صده، خرجت من تحت القصف منتصرة. المقارنة تبدو منطقية نوعا ما.
أخبار عالمية, جريدة الدستور
10 أبريل، 2026