تبدلت ملامح السكن في مجتمعنا خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، وأصبح البحث عن الأمان والهدوء والخدمات المتميزة مرتبطاً في أذهان الكثيرين بالانتقال إلى “الكومباوند” أو المجتمعات السكنية المغلقة. لكن، وراء هذا التحول المعماري الأنيق والواجهات الفاخرة، هناك ضريبة اجتماعية قاسية ندفعها في صمت، تستحق منا التوقف وإعادة النظر.
لو عدنا بالذاكرة قليلاً، سنجد أن “الشارع المصري” أو الحي لم يكن مجرد مكان للسكن، بل كان بمثابة “عائلة كبيرة”. الجار لم يكن مجرد شخص يسكن في الشقة المقابلة، بل كان سنداً حقيقياً في وقت الأزمات، وشريكاً أول في لحظات الفرح، وعيناً حارسة وأمينة على أبناء المنطقة. اليوم، وخلف أسوار الكومباوند العالية، تراجعت هذه الروح الدافئة لحساب “الخصوصية المبالغ فيها” والعزلة. أصبح من العادي جداً أن تمر سنوات ولا يعرف الساكن اسم جاره الملاصق له، لتتحول هذه التجمعات الراقية إلى ما يشبه “الجزر المنعزلة”؛ نعيش فيها معاً على نفس الأرض، لكننا في الحقيقة أبعد ما نكون عن بعضنا البعض.
الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هم “الأبناء”. فالنشأة داخل هذا العالم المغلق، الذي يتشابه فيه الجميع مادياً واجتماعياً إلى حد كبير، تحرم الأطفال والشباب من الاحتكاك بالتنوع الطبيعي للمجتمع الأوسع. هذا العزل –وإن كان بهدف الحماية– يضعف قدرتهم على التعامل مع مختلف فئات الناس، ويقلل من مهاراتهم في فهم الحياة الواقعية بتحدياتها وتناقضاتها. النتيجة هي خروج جيل يمتلك كل وسائل الرفاهية المادية، لكنه قد يفتقد لـ “خبرة الشارع” والذكاء المجتمعي الذي يعلمه كيفية التعاطف مع الآخرين أو التعامل مع الأزمات بمرونة.
نحن هنا لا ننتقد أبداً طموح الأسر في البحث عن بيئة نظيفة ومنظمة وهادئة، فهذا حق مشروع للجميع. الأزمة الحقيقية تكمن في “الثقافة” التي أصبحت تصاحب هذا النمط من السكن. لقد حصرنا مفهوم الأمان في أعداد كاميرات المراقبة وأفراد الحراسة على البوابات، ونسينا أن الأمان الحقيقي والنفسي ينبع في الأساس من معرفتك بمن حولك وشعورك بالانتماء إليهم. هذه الخصوصية الشديدة التي نبحث عنها هرباً من زحام العاصمة، قد تنقلب بمرور الوقت إلى شعور بالغربة والوحدة القاتلة، مما يدفع الكثيرين للبحث عن “جيران افتراضيين” على منصات السوشيال ميديا لتعويض هذا الفراغ الإنساني.
إننا بحاجة عاجلة لإعادة “الروح” إلى هذه التجمعات السكنية الجديدة. نحتاج أن نكسر حاجز الصمت والتوجس بين الجيران، وأن نُحيي مبادرات التعارف، والأنشطة المشتركة، والتكافل في المناسبات داخل الكومباوند. فالمجتمع المتماسك والقوي لا يُبنى فقط بالأسوار الخرسانية والمساحات الخضراء المنسقة، بل يُبنى بالود، والكلمة الطيبة، والتواصل الإنساني. دعونا لا نتحول إلى مجرد أرقام صماء في وحدات سكنية فاخرة، فالحياة بلا جيران بجد تفقد الكثير من أمانها ومعناها الحقيقي.