لم يعد الحديث عن الدواء مقتصرًا على فعاليته العلاجية أو سعره في الأسواق، بل تجاوز ذلك إلى بُعد أكثر عمقًا يتعلق بالسيادة الرقمية ففي عالم تحكمه البيانات، أصبح كل شريط دواء يحمل في طياته معلومة استراتيجية، وكل كود تعريف يمثل “مفتاحًا” للتحكم في سوق كامل وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نمتلك نحن مفاتيح هذا النظام، أم نعتمد على أطراف خارجية قد تتحكم في تشغيله؟
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في مفهوم الدواء، فلم يعد مجرد منتج يُصنّع ويُوزع، بل أصبح جزءًا من منظومة رقمية معقدة تعتمد على التتبع والتكويد والتحليل اللحظي للبيانات وهذه المنظومة تتيح للدول مراقبة حركة الدواء من المصنع إلى المريض، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام تحدٍ خطير .. من يتحكم في هذه البيانات؟
الاعتماد الكامل على أنظمة دولية جاهزة قد يبدو خيارًا مريحًا تقنيًا، لكنه يطرح إشكاليات تتعلق بالأمن القومي، خاصة إذا كانت مفاتيح التشغيل أو البنية التحتية خارج الحدود.
اتبعت الصين نهجًا واضحًا نحو الاستقلال، من خلال تطوير نظام وطني للتكويد بإشراف الهيئة الوطنية للمنتجات الطبية حيث يعتمد هذا النظام على أكواد تعريفية ممتدة، ويعمل بشكل كامل داخل المنظومة المحلية دون اعتماد تشغيلي خارجي والنتيجة لم تكن فقط تحسين التتبع، بل تحقيق سيطرة كاملة على بيانات السوق الدوائي، وتقليل الاعتماد على جهات دولية.
أما روسيا، فقد ذهبت إلى خطوة أبعد عبر نظام “Chestny ZNAK”، الذي أضاف عنصر التشفير السيادي لكل وحدة دوائية. هذا النموذج لا يكتفي بالتتبع، بل يمنع التداول أو الاستيراد دون تسجيل رسمي وإصدار مفاتيح رقمية حكومية، ما يعزز الحماية ضد التزوير ويضمن استمرارية تشغيل السوق حتى في ظل الأزمات أو العقوبات.
في هذا السياق العالمي، تمتلك مصر تجربة تستحق التوقف عندها فقد بادرت مبكرًا بتطبيق أنظمة تكويد متقدمة، كان من أبرزها مفهوم “الجيل الجديد من الأكواد التعريفية”، في محاولة لبناء منظومة وطنية تدعم الاستقلال الرقمي. هذه الخطوة، وإن كانت تحتاج إلى استكمال وتطوير مستمر، تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية التكويد كأداة سيادية، وليس مجرد إجراء تنظيمي.
توطين أنظمة التكويد لم يعد رفاهية أو خيارًا تقنيًا، بل ضرورة استراتيجية تمس ثلاثة محاور رئيسية:
السيادة التقنية: امتلاك مفاتيح التشغيل داخل الدولة يضمن عدم تعطّل المنظومة تحت أي ظرف خارجي.
الأمن المعلوماتي: البيانات الصحية أصبحت من أخطر الأصول السيادية، وحمايتها ضرورة لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
مكافحة التزوير: الأنظمة الوطنية المشفرة تقلل بشكل كبير من تداول الأدوية المغشوشة والمهربة.
الاختيار اليوم لم يعد بين نظام تقني وآخر، بل بين نموذجين: نموذج يعتمد على الخارج في إدارة بياناته، وآخر يمتلك أدواته ويصوغ قراره بنفسه فالتجارب الدولية تؤكد أن الاتجاه العالمي يميل بوضوح نحو توطين التكنولوجيا، ليس بدافع الانعزال، بل لضمان الاستقلال والمرونة.
في عصر الرقمنة، من يمتلك “مفاتيح التكويد” لا يدير فقط سوق الدواء، بل يتحكم في أحد أهم عناصر الأمن القومي وإذا كانت الدول الكبرى قد أدركت ذلك وسارعت إلى بناء أنظمتها السيادية، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمام الدول النامية لتعزيز استقلالها الرقمي.