في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بـ يوم العمال العالمي، وتُرفع فيه الشعارات الداعية إلى العدالة الاجتماعية وكرامة العمال وحقوقهم، يقف صيادو غزة على النقيض تمامًا من هذا المشهد؛ محرومين من أبسط حقوقهم، ومجردين من أدوات عملهم، ومهددين في كل لحظة وهم يسعون وراء لقمة العيش.لم تكن مهنة الصيد في غزة يومًا مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل شكلت عبر عقود طويلة موروثًا حضاريًا وثقافيًا وإنسانيًا عميقًا، تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل. علاقة الصياد الغزي بالبحر لم تكن علاقة عمل فحسب، بل علاقة حياة وهوية وانتماء، لكن هذه المهنة العريقة تعيش اليوم واحدة من أقسى مراحلها، في ظل حصار خانق وإجراءات قاسية حرمت الصيادين من حقهم الطبيعي في الوصول إلى البحر.على مدار أكثر من عامين ونصف، تعرض صيادو غزة لمنع شبه كامل من دخول البحر، في سابقة خطيرة تمس جوهر الحق في العمل. ولم يتوقف الأمر عند المنع، بل ترافق مع استهداف مباشر؛ حيث استُشهد أكثر من 230 صيادًا، وأُصيب واعتُقل المئات، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بهذه المهنة، والتي يفترض أن تكون رمزًا للرزق لا ساحة للموت.هذا الواقع لم يقتصر على الإنسان، بل طال البنية التحتية لقطاع الصيد بأكمله، حيث دُمّر نحو 95% من هذا القطاع الحيوي، بما يشمل القوارب والمرافق الأساسية كحسبة السمك وسوق الدلالة وغرف ومخازن الصيادين، وحتى المتحف البحري. ومع هذا الدمار، فقد المجتمع أحد أهم مصادره الغذائية، في وقت تتفاقم فيه الأزمات وتغيب البدائل.قبل هذه الكارثة، كان قطاع الصيد يمثل ركيزة اقتصادية أساسية، بإنتاج يومي يتراوح بين 15 إلى 20 طنًا يوميا، وبأسطول يضم آلاف القوارب، ويعمل فيه نحو 5،000 صياد يعيلون آلاف الأسر. أما اليوم، فقد تقلص هذا المشهد بشكل مأساوي؛ إذ لم يتبقَ سوى مئات القوارب البدائية التي تعمل بالمجداف، بإنتاج ضئيل لا يتجاوز نسبة ضئيلة جدًا من مستواه السابق، ما يعكس انهيارًا حادًا في الأمن الغذائي وفرص العمل.إن ما يعيشه صيادو غزة اليوم ليس مجرد أزمة مهنية، بل انتهاك صارخ لحقوق العمال التي كفلتها القوانين الدولية، وفي مقدمتها ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أكد على حق الإنسان في العمل والحياة الكريمة، وكذلك مبادئ منظمة العمل الدولية التي تضمن بيئة عمل آمنة وحماية العمال من الأخطار.ورغم كل ذلك، لم يستسلم صيادو غزة. من بين الركام، أعادوا تشكيل أدواتهم، وصنعوا قوارب بدائية من بقايا الدمار، وعادوا إلى البحر، لا بحثًا عن الرزق فقط، بل دفاعًا عن هويتهم التي يحاول الحصار طمسها. يخرج الصياد وهو يدرك أن رحلته قد تكون الأخيرة، لكنه يصر على المواجهة، حاملًا روحه على كفه، في صورة تختصر معنى الكفاح الحقيقي من أجل الحياة.وفي هذه المناسبة العالمية، لا يطلب صيادو غزة امتيازات، بل يطالبون بما يُفترض أنه بديهي: الحق في العمل، والحق في الحياة، والحق في الأمان. وهي حقوق لا تحتمل التأجيل ولا التفاوض، بل تستوجب موقفًا دوليًا جادًا يعيد الاعتبار للإنسان العامل، ويحميه من آلة الاستهداف والتجريد.سيبقى صيادو غزة، في يوم العمال العالمي، صوتًا حيًا يذكّر العالم بأن كرامة العمال لا تُقاس بالشعارات، بل بحمايتهم على أرض الواقع. وسيبقون شاهدًا على أن الإنسان، مهما اشتدت عليه الظروف، قادر على التمسك بهويته، وتحويل معاناته إلى قصة صمود تُروى للأجيال.
أخبار عالمية, جريدة الدستور
30 أبريل، 2026