بوابة الشروق, ثقافة 4 مايو، 2026

نظمت مكتبة «الميكروفون» بالدقي، أمس الأحد، احتفالية ضمن فعاليات «مهرجان الربيع الثقافي»، استضافت خلالها الفنان التشكيلي البارز محمد عبلة، في لقاء أداره الإعلامي محمد عبد العزيز، وشهد حضورًا من المهتمين بالفن والثقافة، في أمسية اتسمت بالدفء والثراء، وتنوعت فيها محاور الحديث بين التجربة الفنية، والذاكرة الشخصية، وتحولات المجتمع المصري عبر عيون فنان لا يكف عن التساؤل.
استهل الإعلامي محمد عبد العزيز اللقاء بكلمة ترحيبية عبر فيها عن تقديره الكبير للفنان محمد عبلة، واصفًا إياه بأنه «قيمة فنية وإنسانية كبيرة»، مشيرًا إلى ما يتسم به من تواضع وهدوء لافتين، وهو ما طرحه كسؤال مفتوح حول طبيعة شخصية الفنان، وما إذا كان هذا الهدوء سمة عامة لدى المبدعين أم خصوصية فردية. كما توقف عند عنوان كتاب «هي دي مصر يا عبلة»، الصادر عن دار الشروق، معتبرًا اختياره «لقطة عبقرية» تحمل قدرًا من المغامرة والدلالة، خاصة في ظل ارتباط الجملة بذاكرة درامية مختلفة، قبل أن يترك الكلمة للفنان للحديث عن تجربته ورؤيته.
من جانبه، أعرب محمد عبلة عن سعادته بالحضور وبالدعوة، مؤكدًا أن ما يبدو من هدوء في شخصيته لا يعكس بالضرورة طبيعة الفنان، الذي يعيش – بحسب وصفه – حالة دائمة من القلق وعدم الرضا، معتبرًا أن «الفنان لا يتوافق مع الهدوء»، إذ يظل منشغلًا بالأسئلة التي تفوق إجاباته، في حالة من التوتر الخلّاق الذي يغذي تجربته الإبداعية. وأضاف أنه اكتسب قدرًا من الهدوء مع الوقت عبر الرهان على التفاؤل والصبر، باعتبارهما أدوات للتعامل مع تعقيدات الحياة.
وتطرق عبلة إلى كواليس اختيار عنوان كتابه «هي دي مصر يا عبلة»، موضحًا أنه مر بمراحل عديدة من البحث والتفكير، إلى أن استقر عليه بعدما صادف عبارة مكتوبة بخط الرقعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فوجد فيها التعبير الأمثل عن رؤيته الشخصية لمصر، مؤكدًا أن كل إنسان يمتلك «مصره الخاصة» التي يراها من زاويته وتجربته. وأشار إلى أن الكتاب يوثق خمس سنوات مفصلية من حياته خلال سبعينيات القرن الماضي، تزامنت مع تحولات سياسية واقتصادية وفكرية كبرى، بدءًا من حرب أكتوبر، مرورًا باتفاقية السلام، وصولًا إلى التغيرات الاجتماعية وصعود تيارات فكرية مختلفة.
وأوضح أن تلك الفترة شكلت وعيه، خاصة مع انتقاله من بيئة ريفية في المنصورة إلى فضاء المدينة الأوسع، حيث واجه خيارات متعددة وتجارب متنوعة، ساعيًا إلى استثمار وقته في التعلم واكتساب الخبرات رغم محدودية الإمكانات المادية. واستعرض تفاصيل حياته آنذاك، من الالتحاق بدورات لغات في المراكز الثقافية، إلى حضور عروض السينما والقراءة، مؤكدًا أن شغفه بالمعرفة كان المحرك الأساسي لتجربته.
وفي سياق الحديث عن العلاقة بين الفقر والإبداع، شدد عبلة على أن الإبداع «موهبة ربانية» لا ترتبط بالضرورة بالوضع المادي، معتبرًا أن العامل الحاسم يتمثل في «حسن التربية» والقيم التي يكتسبها الإنسان. واستعاد سيرة والده، الذي خاض تجارب مهنية متعددة تأثرًا بالتحولات الاقتصادية في مصر، ما بين تجارة القطن والحبوب والمقاولات، وصولًا إلى تأسيس مصنع، مؤكدًا أن هذه التجارب غرست فيه قيمة الاجتهاد والعمل بإتقان، والقدرة على التكيف مع التغيرات.
وعن تقييمه لمسيرته، أعرب عبلة عن رضاه الكامل عما حققه، مؤكدًا أنه لم يكن يتمنى أكثر مما عاشه من تجارب، سواء على مستوى السفر أو اللقاءات أو الاطلاع على ثقافات مختلفة، مشيرًا إلى أنه زار أماكن عالمية كبرى والتقى بشخصيات متنوعة، ما أثرى تجربته الإنسانية والفنية.
كما تناول مفهوم الحرية في الفن، معتبرًا أنه «أوسع مساحة يمكن للفنان أن يتحرك فيها»، حيث يملك حرية التجريب دون قيود، لافتًا إلى أن الحكم الحقيقي يكون على المنتج النهائي، بينما تظل عملية الإبداع نفسها مجالًا مفتوحًا لكل أشكال المحاولة والخطأ.
وتوقف اللقاء عند واقعة إعادة «وسام جوته» الألماني، حيث أوضح عبلة أنه كان سعيدًا بالحصول عليه في البداية نظرًا لقيمته الثقافية، إلا أنه قرر إعادته لاحقًا احتجاجًا على المواقف السياسية لألمانيا تجاه الأحداث في غزة، معتبرًا أن هناك تناقضًا بين القيم التي يمثلها الوسام والممارسات الواقعية. وأكد أن هذا القرار كان تعبيرًا عن موقف شخصي، رغم ما ترتب عليه من تبعات، مشددًا على أن «الإنسان موقف» في جوهره.
وفي سياق حديثه عن تجاربه الخارجية، استعاد رحلته إلى العراق، التي بدأها وهو طالب، مدفوعًا بشغفه بالكتب، خاصة تلك المتعلقة بالخط العربي وفن التصوير، حيث سعى للحصول عليها من بغداد، وبعد سلسلة من المحاولات، تمكن من الوصول إليها بمساعدة وزير الثقافة آنذاك، الذي سمح له بالحصول على عدد كبير من الكتب.
وأشار إلى أن هذه الرحلة تحولت إلى تجربة ثرية، حيث أقام مرسمًا في أحد أهم شوارع بغداد، ونظم منتدى ثقافيًا لمناقشة قضايا الفن، وعاش فترة مميزة على ضفاف النهر، قبل أن يضطر للعودة إلى مصر لاستكمال مشروع تخرجه.
كما تحدث عن تجربته في أوروبا، خاصة في سان بطرسبرج، حيث عمل في التدريس لفترات، ولاحظ إقبالًا كبيرًا من الطلاب على التعلم لديه، وهو ما دفعه للتفكير في نقل هذه التجربة إلى مصر، لإتاحة الفرصة أمام الفنانين الشباب للاستفادة منها، وهو ما بدأه بالفعل بمشاركة نجله، حيث يستقبلون فنانين من مختلف أنحاء العالم.
وعن كتابه، أوضح أنه بدأ كتابة فصوله عبر منشورات على موقع “فيسبوك” تحت وسم “حكاوي محمد عبلة”، ولاقت تفاعلًا كبيرًا، حتى وصلت إلى 65 حكاية، قبل أن تتحول إلى كتاب بمبادرة من أميرة أبو المجد، مدير النشر في دار الشروق والعضو المنتدب.
كما تطرق عبلة إلى أزمة مرسمه في جزيرة القرصاية، مشيرًا إلى أنها لا تزال قائمة في ظل تعقيدات إدارية، معربًا عن أمله في حلها قريبًا. واختتم حديثه بالإشارة إلى مشروعه لكتابة جزء ثانٍ من مذكراته، يتناول فيه تجربته في أوروبا، وبخاصة إسبانيا، وما شهده هناك من تحولات سياسية وثقافية، إلى جانب اكتش

زيارة مصدر الخبر