لم يعد ملف تطوير العشوائيات في مصر شأنًا داخليًا محضًا، بل أصبح أحد العناصر التي تُستخدم لقياس موقع الدولة في المؤشرات الدولية المتعلقة بجودة الحياة، ومستوى الأمان الحضري، وكفاءة السياسات الاجتماعية، هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن مسار طويل من التدخلات التي أعادت تشكيل المشهد العمراني والاجتماعي خلال العقد الأخير.فعلى مستوى البيانات، تشير تقديرات البنك الدولي إلى مسار تنازلي واضح في نسبة سكان العشوائيات داخل مصر، إذ تراجعت من نحو 50.2% عام 1990 إلى 28.1% عام 2000، ثم إلى 17.1% عام 2005، قبل أن تنخفض إلى 10.6% عام 2014، وصولًا إلى نحو 5.2% فقط في 2018، وصولًا لإعلان مصر خالية من العشوائيات الخطرة قبل عدة أعوام، هذا التراجع لا يعكس مجرد تحسن رقمي، بل يعبر عن إعادة توزيع للسكان داخل الحيز العمراني، وانتقال مئات الآلاف من مناطق غير آمنة وغير مخططة إلى مجتمعات حضرية جديدة أكثر تنظيمًا.هذا التطور في البنية العمرانية ارتبط مباشرة بتحسن في مؤشرات أخرى أكثر شمولًا، وعلى رأسها مؤشرات الأمان، ففي مؤشر الدول الأكثر أمانًا لعام 2021، تقدمت مصر 38 مركزًا لتصل إلى المرتبة 65 عالميًا من بين 134 دولة، مقارنة بالمركز 103 في عام 2019، هذا التحسن يعكس بصورة غير مباشرة أثر السياسات العمرانية والاجتماعية على الاستقرار المجتمعي، حيث ترتبط البيئة السكنية غير الآمنة عادة بارتفاع معدلات الجريمة والضغط على الخدمات العامة.التحول في الصورة الدولية لم يأتِ من فراغ، بل جاء مدعومًا بسلسلة من السياسات التي استهدفت معالجة جذور المشكلة وليس مظاهرها فقط، فقد تبنت الدولة منذ عام 2014 برنامجًا موسعًا لتطوير المناطق غير الآمنة، انتهى بتطوير مئات المناطق العشوائية ونقل مئات الآلاف من الأسر إلى وحدات سكنية جديدة، ضمن مشروعات إسكان متكاملة مثل “الأسمرات” و”أهالينا”، التي لم تقتصر على توفير السكن، بل شملت خدمات تعليمية وصحية واجتماعية متكاملة.هذا التحول انعكس أيضًا على تقييمات المؤسسات الدولية، فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أهمية برامج الحماية الاجتماعية المرتبطة بالإسكان في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كما أكدت تقارير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن مصر تبنت مقاربة شاملة في التعامل مع المناطق العشوائية، تجمع بين إعادة التخطيط العمراني وتحسين جودة الحياة.وفي الاتجاه ذاته، أشار تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة إلى أن ما تحقق في ملف العشوائيات يعكس إرادة سياسية واضحة تستهدف تعزيز كرامة الإنسان، من خلال توفير سكن آمن ولائق للفئات الأكثر احتياجًا، وربط السياسات العمرانية بأهداف التنمية المستدامة.الأهم أن هذه المؤشرات لم تعد تُقرأ بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع، بل أصبحت جزءًا من “سردية الدولة” في المحافل الدولية، خاصة خلال اللقاءات رفيعة المستوى مثل لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي اليوم مع مسئولي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث يتم تقديم التجربة المصرية كنموذج لدولة نجحت في تحقيق معادلة صعبة: النمو الاقتصادي من جهة، والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.هذا التوازن هو ما يفسر كيف تحولت الأرقام من مجرد إحصاءات إلى أدوات دبلوماسية، تُستخدم لتقديم صورة مختلفة عن الدولة، ليس فقط باعتبارها دولة تنفذ مشروعات إسكان، بل باعتبارها دولة تعيد تشكيل علاقتها بمواطنيها عبر تحسين شروط الحياة نفسها. 

زيارة مصدر الخبر