ليتني من هؤلاء الذين يتجاوزون الموت بسهولة، يعودون إلى حياتهم سريعًا، لا تتوقف عندهم الأزمنة عند لحظة الفقد، يحزنون، يترحمون، ثم يكملون الطريق وكأن شيئًا لم يكن. أما أنا، فأقف في كل مرة عند نفس اللحظة.يقول طبيبي النفسي إنني أعاني من رهاب الموت. خضعت لجلسات علاجية، وتلقيت نصائح كثيرة، أهمها أن أتجنب التفاعل مع أخبار الوفاة، أن أتجاوزها سريعًا، أن “أسكرول فيسبوك” دون أن أتوقف. صرت أغلق الصفحات، أتجنب الجنازات، أهرب من أي مشهد يحمل رائحة الرحيل.لكن في كل مرة… يفاجئني الموت من جديد، يأتي صادمًا، قاسيًا، لا يرحم، وكأنه يخبرني أن الهروب ليس حلًا، كنت أنظر إلى من حولي متعجبة: من أين يأتون بكل هذه القوة؟قال لي صديق ذات مرة إن ما أشعر به ليس مرضًا نفسيًا، بل ضعف إيمان. وقالت صديقة أخرى إن الموت فقط يعيد فتح جروح قديمة. حاولت تصديق هذه التفسيرات، ربما لأنها كانت أسهل من مواجهة الحقيقة.لكنني مع الوقت أدركت أن أزمتي الحقيقية ليست في التفسير… بل في الشعور نفسه، ذلك الأسى العميق تجاه اختيارات الموت: هذا صغير… هذا كان لديه حلم… هذا كان يستحق فرصة… وربما نحن، الأحياء، كنا نستحق وقتًا أطول معهم.هناك لحظات لا تنسى، حين رحل الزميل المصور الموهوب محمد النوبي، بعد أيام من الدعاء والأمل، ظننا أن هذه المرة ستنجو الحياة. لكنها لم تفعل. ترك في قلبي غصة لا تزول، تتجدد مع كل ذكرى، ومع كل اسم جديد يضاف إلى قائمة الغياب.ثم جاء خبر رحيل الزميلة زكية هدايا، وبعدها كانت الفاجعة الأكبر مع الصديق محمود صالح، الذي كان يعيش الحياة ببساطة وبهجة، وكأن الموت بعيد عنه. تساءلت حينها: أليس الموت يتأخر عن هؤلاء المتفائلين؟ لكن الإجابة جاءت قاسية: الموت لا يختار… بل يأتي للجميع.ثم رحل محمد سليمان، الشاب الطيب القريب من الله، ليعود إلى ذهني المثل الشعبي: “الطيبون أبناء موت”، لا أعلم إن كانت هذه حكمة، أم مجرد محاولة إنسانية لتخفيف وطأة الفقد.لكن أكثر ما لم أكن أتخيله.. كان رحيل عم سيد العديسي – هكذا كان يطيب لي مناداته – هذا الصحفي الشاعر الذي كان يحلم دائمًا، ويسألني في كل مرة نلتقي:”لسه ملقتيش لي عروسة؟ عايز بنت حلال زيك يا آية”.والغريب أنني، رغم خوفي من فكرة الدخول في مثل هذه الأمور إيمانًا رسيخًا بأن “أمشي في جنازة وممشيش في جوازة”، كنت أبحث له فعلًا. كنت أشعر أنني لا أبحث عن عروس، بل عن حياة تليق به، شخص طيب، هادئ، خفيف الظل، مثقف… كأنني أبحث عن جائزة أقدمها لمن تستحقه.لكن كعادته.. جاء الموت، في نهار عادي، سرق الحلم، وترك مكانه غصة جديدة، وهنا فقط، فهمت شيئًا مهمًا: أن مشاعري ليست مجرد مرض، ولا ضعف إيمان، ولا حتى انعكاسًا لماضٍ مؤلم، بل هي صدمة تتكرر، لأن الفقد يتكرر.ما زلت حتى الآن لا أجد إجابة لسؤال واحد: “لماذا هذا الجيل تحديدًا… يبدو وكأنه لا يحصل على فرصته الكاملة في الحياة؟ لماذا الرحيل مبكر، وقاسٍ، ومفاجئ إلى هذا الحد؟”، قد لا أجد الإجابة أبدًا.لكنني بدأت أفهم شيئًا آخر: “أننا لا نتجاوز الموت حقًا… نحن فقط نتعلم كيف نكمل حياتنا… رغم وجوده”.

زيارة مصدر الخبر