في مثل هذا اليوم، العاشر من مايو عام 1937، رحل عن عالمنا الأديب والمفكر مصطفى صادق الرافعي، أحد أبرز حراس اللغة العربية والمدافعين عن التراث الإسلامي، بعد مسيرة أدبية وفكرية جعلته يُلقب بـ”معجزة الأدب العربي” و”حجة العرب”. وبين صفحات سيرته الطويلة، تبقى معركته الفكرية الشهيرة مع طه حسين، كواحدة من أعنف وأشهر المواجهات الأدبية في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.
بداية الصدام.. كتاب أشعل الساحة الثقافية
اندلعت المواجهة الكبرى بين الرافعي وطه حسين عقب صدور كتاب “في الشعر الجاهلي” عام 1926، الذي طرح فيه طه حسين آراءً اعتبرها كثيرون صادمة، خاصة تشكيكه في صحة جانب كبير من الشعر الجاهلي، وربطه بعض النصوص بسياقات سياسية ودينية لاحقة.رأى “الرافعي” في هذه الطروحات تهديدًا مباشرًا للتراث العربي والإسلامي، معتبرًا أن الأمر لا يتعلق بنقد أدبي فحسب، بل بمحاولة تمس جذور الهوية الثقافية والدينية للأمة.
“تحت راية القرآن”.. رد الرافعي الحاسم
لم يتأخر الرافعي في الرد، فأصدر كتابه الشهير “تحت راية القرآن”، الذي يعد من أقوى الكتب النقدية في الدفاع عن التراث العربي والقرآن الكريم، وفيه شن هجومًا فكريًا واسعًا على أفكار طه حسين، مستخدمًا أسلوبًا بلاغيًا صارمًا وحججًا لغوية ودينية متماسكة.تحولت صفحات الكتاب إلى ساحة دفاع شرسة عن اللغة العربية، حيث رأى الرافعي أن التجديد الحقيقي لا يكون بهدم الثوابت، بل بإحياء الأصالة وتطويرها دون المساس بجوهرها.
معركة بين مدرستين
لم تكن المواجهة مجرد خلاف بين أديبين، بل مثلت صدامًا بين اتجاهين فكريين كبيرين؛ الأول محافظ يقوده الرافعي، يدافع عن التراث بوصفه أساس الهوية، والثاني تجديدي يمثله طه حسين، يسعى إلى إعادة قراءة الموروث وفق مناهج حديثة، ولهذا تحولت القضية إلى جدل عام شغل الصحافة والجامعات والصالونات الثقافية، وأسهمت في تشكيل ملامح النقد العربي الحديث.
الرافعي أن يفرض حضوره الأدبي بأسلوبه الفريد
ورغم فقدانه السمع في سن مبكرة، استطاع الرافعي أن يفرض حضوره الأدبي بأسلوبه الفريد، جامعًا بين البلاغة الكلاسيكية والعمق الفكري، وقد ظل طوال حياته مدافعًا عن العربية والإسلام، مقدمًا أعمالًا خالدة مثل “وحي القلم”، و”حديث القمر”، و”المساكين”.ورحل مصطفى صادق الرافعي في 10 مايو 1937، لكنه ترك وراءه إرثًا أدبيًا وفكريًا خالدًا، ورسخ اسمه كأحد أعظم المدافعين عن اللغة العربية في العصر الحديث.