تشهد خريطة الاستثمارات العامة خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 تحولات لافتة في اتجاهات الإنفاق القطاعي، حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إعادة ترتيب واضحة لأولويات الاستثمار الحكومي، مع تركيز أكبر على قطاعات البنية التحتية والخدمات الأساسية، في مقابل تراجع نسبي في حصة بعض القطاعات التقليدية.وتأتي هذه التحولات في سياق اقتصادي عالمي يتسم بارتفاع تكاليف التمويل، وتغيرات في سلاسل الإمداد، وضغوط على الاقتصادات الناشئة لإعادة توجيه إنفاقها نحو القطاعات الأكثر تأثيرًا في النمو طويل الأجل.
النقل والمياه والكهرباء في الصدارة
استمر قطاع النقل والتخزين في تصدر قائمة القطاعات الأكثر استحواذًا على الاستثمارات العامة، إلا أن حصته تراجعت إلى 22.66% خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري، مقارنة بـ36.03% خلال الفترة نفسها من العام السابق، ويعكس هذا التراجع النسبي إعادة توزيع للموارد الاستثمارية بدلًا من تقليصها الفعلي، حيث تم توجيه جزء من الإنفاق إلى قطاعات خدمية أخرى ذات أولوية متزايدة.في المقابل، سجل قطاع المياه والصرف الصحي طفرة ملحوظة في حصته الاستثمارية، إذ ارتفعت إلى 13.14% مقابل 5.94% في الفترة المناظرة من العام الماضي، ويأتي هذا النمو في ظل تزايد الاهتمام العالمي بقضايا الأمن المائي وتحديث البنية التحتية المرتبطة بالخدمات الأساسية، خاصة مع تصاعد تحديات التغير المناخي في المنطقة.كما ارتفعت مساهمة قطاع الكهرباء إلى 12.13% مقارنة بـ9.78%، وهو ما يعكس استمرار التوسع في مشروعات الطاقة والبنية التحتية الكهربائية، بالتوازي مع ارتفاع الطلب المحلي على الطاقة وتزايد الاعتماد على الحلول المستدامة.
توسع في الاستثمارات الاجتماعية
شهدت قطاعات الخدمات الاجتماعية بدورها توسعًا واضحًا في حجم الاستثمارات، حيث ارتفعت مساهمة قطاع الخدمات الصحية إلى 10.04% مقابل 4.05% فقط خلال العام السابق، في إشارة إلى استمرار تعزيز قدرات القطاع الصحي ودعم البنية التحتية الطبية.كما سجل قطاع الخدمات التعليمية ارتفاعًا ملحوظًا إلى 9.11% مقارنة بـ5.86%، وهو ما يعكس توجهًا حكوميًا متزايدًا نحو الاستثمار في رأس المال البشري، في ظل إدراك عالمي متزايد لأهمية التعليم والصحة كمحركين رئيسيين للنمو الاقتصادي المستدام.تظهر هذه التحولات أن السياسة الاستثمارية تميل بشكل أكبر نحو القطاعات التي تحقق عوائد اجتماعية واقتصادية طويلة الأجل، مع تقليص نسبي في بعض الأنشطة ذات العائد السريع أو المرتبط بالتقلبات العالمية. كما تعكس هذه التغيرات استجابة للبيئة الاقتصادية العالمية التي تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشدد السياسات النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى، ما يدفع الحكومات إلى إعادة تقييم أولويات الإنفاق العام.