بوابة الأهرام, منوعات 11 يونيو، 2026

يستيقظ أحدنا صباحاً، يطلب قهوته عبر تطبيق هاتف، يمر ببوابة العمل الإلكترونية، يرسل بريداً رسمياً لزميله الذي يجلس في المكتب المجاور، ويعود ليلاً ليتصفح منصات التواصل الاجتماعي دون أن ينطق بكلمة واحدة.

هذا المشهد اليومي المألوف لم يعد مجرد نمط حياة عابر، بل هو انعكاس لظاهرة عالمية مرعبة أكدتها الدراسات العلمية الحديثة، البشر يتحدثون أقل عاماً بعد عام، والعالم يتجه نحو صمت اختياري غير مسبوق. 

في دراسة ثورية مشتركة بين جامعة أريزونا وجامعة ميزوري-كانساس سيتي، فجر الباحثون مفاجأة من العيار الثقيل حول تراجع التواصل الشفهي والمحادثات اليومية في العصر الحديث.

 الأرقام لم تعد مجرد مؤشرات، بل هي ناقوس خطر يهدد طبيعة العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية. حسب ما نشر موقع Phys.org، وهو منصة إخبارية علمية متخصصة تنشر أخبارًا وتقارير ودراسات حديثة في مجالات متعددة.

دراسة تكشف أرقاما صادمة.. البشر يتحدثون أقل عاما بعد عام والعالم يتجه نحو عصر الصمت الرقمي| انفوجراف
انفوجراف

تراجع مرعب في معدل الكلام اليومي

عكف الفريق البحثي على تحليل بيانات ضخمة تم جمعها على مدار 14 عاماً (بين عامي 2005 و2019). وشملت الدراسة تسجيلات صوتية واقعية لأكثر من 2200 مشارك تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و94 سنة في أمريكا وأوروبا وأستراليا، ليرصدوا بدقة كيف يتبدل سلوكنا اللغوي. 

صدمة في علم الاجتماع واللغويات:

في عام 2005، كان الشخص الطبيعي يتحدث بمعدل 16,600 كلمة يومياً. بحلول عام 2019، انهار هذا الرقم ليصل إلى 11,900 كلمة فقط. هذا يعني أننا فقدنا ما يقرب من ثلث مخزوننا الكلامي اليومي. 

نزيف الكلمات السنوي: وجد الباحثون أن الإنسان يتحدث في المتوسط 338 كلمة أقل كل عام. وعند حسابها تراكمياً، نجد أننا نسقط من حساباتنا الكلامية حوالي 120,000 كلمة سنوياً. 

الشباب في عين العاصفة: على الرغم من أن هذا التراجع شمل جميع الفئات العمرية، إلا أن الشباب دون سن الـ 25 كانوا الأكثر صمتاً، حيث تسارعت وتيرة انخفاض الكلمات لديهم بشكل حاد.

الضحية الأولى: اختفاء “الدردشات العابرة”

أشارت الدكتورة فاليريا بفيفر، الباحثة المشاركة في الدراسة، إلى أن هذا الاختفاء التدريجي للكلمات لا يحدث في النقاشات العميقة أو خطابات العمل، بل يلتهم أولاً ما يُعرف بـ “الدردشات الصغيرة والعابرة”.

تلك الحوارات البسيطة التي كنا نخوضها مع موظف الكاشير في السوبرماركت، أو إلقاء التحية الصباحية المتبوعة بسؤال عن الحال مع الجار، أو حتى تبادل بضع كلمات مع عابر سبيل للاستفسار عن طريق؛ كل هذه التفاعلات الصغيرة بدأت تتلاشى تماماً من يومياتنا. ورغم أن هذه الحوارات تبدو هامشية، إلا أنها تمثل في الحقيقة الكتلة الأكبر من مجمل كلامنا اليومي، وهي المحرك الأساسي للشعور بالانتماء المجتمعي.

كيف حوّلت التكنولوجيا “المجتمع” إلى جزر معزولة؟

لا يحتاج المرء لذكاء شديد ليتهم الرقمنة وتكنولوجيا الاتصال بأنها المتهم الأول وراء هذا “الخرس الاجتماعي”. لقد استبدلت الأنظمة الذكية والتطبيقات الحديثة الحاجة التلقائية للكلام.

فوجود شاشات الخدمة الذاتية في المطاعم والمطارات (Self-Checkout)، وتطبيقات المراسلة الفورية، جعلت الإنسان قادراً على تلبية كافة احتياجاته البيولوجية واللوجستية والمهنية بـ “بضع نقرات” على الشاشة ودون الحاجة لفتح فمه.

تعلّق الدراسة على هذا التحول قائلة: « إن التغيرات الصغيرة في سلوكياتنا اليومية تتراكم مع الوقت لتقلب شكل الإنسانية؛ قد لا نلاحظ غياب بضع كلمات اليوم، لكننا على المدى الطويل سنستيقظ على مجتمعات عاجزة عن التواصل الحسي والارتباط العاطفي الفوري»

هل تعوض الرسائل النصية غياب الصوت؟

قد يجادل البعض بأننا لم نتوقف عن التواصل، بل نقلنا الكلمات من الحناجر إلى لوحات المفاتيح؛ فنحن نكتب مئات الرسائل يومياً على “واتساب” ومنصات التواصل الاجتماعي.

لكن خبراء علم النفس يرفضون هذه المقارنة تماماً ولعدة أسباب جوهرية:

غياب لغة الجسد: النصوص المكتوبة تفتقر تماماً إلى نبرة الصوت، ولغة العيون، وإيماءات الوجه، والتفاعل اللحظي الذي يبني التعاطف الإنساني.

وهم التواصل: الكتابة تمنحنا وقتاً للتعديل والتصنع، بينما المحادثات الشفهية المباشرة تتميز بالعفوية والتلقائية التي تكشف المشاعر الحقيقية وتعمق الروابط.

ارتفاع معدلات العزلة: تؤكد الدراسة أن هذا التحول الرقمي لا يعوض النقص، بل يعزز الشعور بالوحدة، والاغتراب النفسي، والسطحية في العلاقات.

ينتهي التقرير العلمي بسؤال مفتوح تتركه لنا الأبحاث المستقبيلة.. إلى أي مدى يمكن أن يتحمل العقل البشري هذا الصمت؟ وهل ستتحول “الدردشة الشفهية” في المستقبل إلى رفاهية مهجورة، أم سنستعيد وعينا قبل أن ننسى كيف نتحدث؟

موضوعات قد تهمك :

كيف تؤثر مواعيد النوم غير المنتظمة على ذاكرة طفلك ولغته؟

وهمٌ أم ذاكرة حقيقية؟.. القصة الغامضة وراء إحساس «الديجا فو»| إنفوجراف

 

زيارة مصدر الخبر