قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكية إن الولايات المتحدة وإيران عادتا مجددًا إلى “أجواء الحرب” بسبب النزاع المحتدم حول حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وأوضحت المجلة، في تحليل للكاتبة إيلي غرانمايه، أن الطرفين يتشاركان في الواقع الهدف الاستراتيجي ذاته، والمتمثل في إعادة فتح المضيق أمام حركة الشحن في كلا الاتجاهين، إلا أن الخلاف الجوهري يكمن في حجم السيطرة والنفوذ الذي يسعى كل طرف لفرضها على إدارة هذا الممر المائي الحيوي في مرحلة ما بعد الحرب.وأضافت المجلة أن الحروب والصراعات التي شهدها العام الماضي أثبتت للجانبين أن الخيارات العسكرية باتت محدودة الأثر، مشيرة إلى أن استمرار التصعيد والمناورات لتعزيز أوراق الضغط قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع تشمل ضربات إسرائيلية للبنية التحتية الإيرانية وهجمات حوثية متجددة في البحر الأحمر، وهو ما يعني عمليًا إغلاق مسار شحن عالمي رئيسي آخر.

 رمزية المضيق وأوراق الضغط المتبادلة

وأشارت “فورين بوليسي” إلى أن مضيق هرمز يمثل بالنسبة للنظام الإيراني رمزًا لـ”الانتصار” وضمانة أساسية لبقائه، حيث أثبتت قدرة طهران على تعطيل الملاحة فيه أنها سلاح لزعزعة الاقتصاد العالمي، وورقة ردع قوية ضد أي محاولات أمريكية مستقبلية لتغيير النظام.ونوهت في المقابل، بأن سياسة “الضغط الأقصى” التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعت طهران إلى تشديد مواقفها؛ فبعد أن أعلنت إيران استعدادها لفتح المضيق تزامنًا مع هدنة أبريل، جاء تأكيد ترامب على استمرار الحصار البحري الأمريكي ليدفع الجيش الإيراني إلى التراجع واعتبار التصريحات الأمريكية خرقًا للهدنة، ما أدى لإغلاق مؤقت وتأسيس “هيئة مضيق الخليج العربي” لإدارة المرور التجاري.وتابعت المجلة موجهة الأنظار إلى كواليس الخلاف حول مذكرة التفاهم الأخيرة، حيث فسرت طهران البند الخامس منها على أنه يمنحها الحق في الإشراف الملاحي خلال هدنة الـ60 يومًا، بينما سعت واشنطن إلى ترسيخ مسار جنوبي عبر المياه الإقليمية العمانية كأمر واقع لتقليص النفوذ الإيراني، وهو ما دفع طهران لاستهداف السفن المارة عبر هذا المسار، مخاطرة بانهيار التفاهمات ومشعرة أكبر حملة قصف أمريكية داخل إيران منذ أشهر.

آفاق التسوية والوساطة الدولية

وشددت المجلة على أنه على الرغم من اعتبار طهران السيطرة على المضيق خطًا أحمر، إلا أنها أبدت مرونة في التفاوض مع سلطنة عمان حول طبيعة هذه السيطرة، إدراكًا منها بأن استمرار الشلل الملاحي يضر باقتصادها المخنق أساسًا بالحصار الأمريكي.وألمحت إلى أن الصين، التي تشتري نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، تضغط هي الأخرى باتجاه إعادة فتح المضيق وتدفع طهران نحو حل وسط، لا سيما وأن استمرار الاضطراب يقلل من القيمة الاستراتيجية للممر على المدى الطويل مع بحث الدول عن بدائل.واستطردت الصحيفة قائلة إن هذه المعطيات تفتح بابًا للحلول الوسطى، حيث يجب أن تركز جهود الوساطة الحالية على وضع ترتيبات ترانزيت مؤقتة تمتد لأربعة أو ستة أسابيع، كإنشاء مركز تحكم مشترك (عماني-إيراني) بضوء أخضر أمريكي لتأمين السفن بالتساوي بين المسارين الشمالي والجنوبي دون فرض رسوم، بالتوازي مع اتفاق أمريكي-إيراني لوقف تحركات القطع العسكرية التي قد تفجر الصراع مجددًا.

الحلول طويلة الأجل ونزع الألغام

وفي سياق متصل، ذكرت المجلة أن الخطوة الأبرز لبناء الثقة تتمثل في الاتفاق على آلية لتطهير المضيق من الألغام البحرية. ولما كانت طهران ترفض إسناد هذه المهمة الحساسة لبعثات أوروبية أو تابعة لحلف الناتو، فقد أفادت المجلة بأن إيران قد تقبل بدعم من دول تعتبرها محايدة أو صديقة مثل اليابان التي تمتلك تقنيات متطورة في هذا المجال، على أن تضمن جهة دولية موثوقة خلو الممر تمامًا من الألغام.وختمت “فورين بوليسي” تقريرها مؤكدة أن فرض هيكل رسوم خدمات إقليمي قد يكون أمرًا حتميًا في نهاية المطاف تماشيًا مع القانون الدولي لتغطية تكاليف الأمن ومكافحة التلوث، مقترحة إشراك المنظمة البحرية الدولية (IMO) لإدارة صندوق هذه الرسوم لضمان الشفافية وتسهيل حصول إيران على استثناءات من العقوبات الأمريكية.وحذرت من أن تخلي الطرفين عن الدبلوماسية والاستمرار في دوامة القصف لن يحقق لأي منهما مكاسب حاسمة، بل سيهدر المزيد من الأرواح والموارد ويضعف أوراق الضغط الحالية لكلا الجانبين.

زيارة مصدر الخبر