اقتصاد, جريدة الدستور 29 يونيو، 2025

منذ اندلاع ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، دخلت مصر مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاقتصادية العميقة، فى محاولة لاستعادة الاستقرار، وإعادة بناء ما انهار خلال سنوات الاضطراب التى سبقتها، ووصلت الأوضاع الاقتصادية خلالها إلى حافة الانهيار، وسط تراجع حاد فى الاحتياطى النقدى، وتباطؤ الإنتاج، وتدهور فى الخدمات الأساسية، ما تطلّب تدخلًا عاجلًا لإنقاذ الاقتصاد، ووضعه على مسار الإصلاح.وأطلقت الدولة المصرية مسارًا طموحًا لإعادة هيكلة الاقتصاد، تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى شدد فى عدة مناسبات على ضرورة تحقيق تحول اقتصادى شامل، موجهًا الحكومة وقيادات القطاعات الاقتصادية بضرورة تعزيز التنافسية، وجذب تدفقات الاستثمار الأجنبى، من خلال استراتيجية موحدة تشمل إصلاحات هيكلية وسياسات مالية محفزة، وتنمية التحول الرقمى، وغيرها من أسس برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى رأى النور وبدأ تنفيذه بالفعل فى ٢٠١٦.وتضمن البرنامج العديد من الخطوات المهمة، واتسمت المرحلة الأولى منه بالتركيز على ضبط المالية العامة، والسيطرة على عجز الموازنة، إلى جانب اتخاذ قرارات مصيرية لطالما تم تأجيلها، مثل تحرير سعر الصرف، فى نوفمبر ٢٠١٦، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، خاصة دعم الطاقة.وحرصت الدولة على جذب الاستثمارات الخارجية، من خلال إصدار قانون استثمار موحد، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، وتوفير بيئة تشريعية مستقرة وجاذبة لرءوس الأموال، إلى جانب البدء فى تنفيذ سلسلة من المشروعات القومية الكبرى، على رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، وتطوير شبكات الطرق والمواصلات، ومشروعات الطاقة المتجددة، وتحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة، بالإضافة إلى التركيز على تنمية محافظات الصعيد، وإنشاء مدن جديدة، وتوسيع الرقعة الزراعية، ضمن رؤية متكاملة للتنمية الإقليمية.وفى ظل استمرار الضغوط الخارجية، اتجهت مصر نحو تعميق دور القطاع الخاص، وتقليص تدخل الدولة فى الأنشطة الاقتصادية، من خلال «وثيقة سياسة ملكية الدولة»، التى تهدف لإفساح المجال أمام الاستثمار الخاص فى القطاعات المختلفة، بما يسهم فى زيادة الإنتاجية ورفع كفاءة التشغيل، فضلًا عن تعزيز التصنيع المحلى، وتقليل الاعتماد على الواردات، والتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.وتزامن ذلك كله مع إطلاق عدد من برامج الحماية الاجتماعية لتخفيف آثار الإصلاح على الفئات الأكثر احتياجًا، مثل برنامج «تكافل وكرامة»، والتوسع فى دعم السلع التموينية، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.من جهته، قال الدكتور عبدالمنعم السيد، رئيس مركز «القاهرة للدراسات الاقتصادية»، إنه منذ ثورة ٣٠ يونيو، شرعت مصر فى تنفيذ رؤية اقتصادية شاملة، برعاية مباشرة وتوجيهات واضحة من الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى وضع ملف الإصلاح الاقتصادى على رأس أولويات الدولة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأهمية تحقيق الاستقرار والنمو الشامل.وأضاف «السيد»، لـ«الدستور»: «الدولة عملت على معالجة التشوهات الاقتصادية الهيكلية المتراكمة عبر عقود، من خلال برنامج إصلاحى بدأ فى عام ٢٠١٦، تضمن قرارات جوهرية فى مقدمتها تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، خاصة دعم الطاقة، إلى جانب إصلاحات تشريعية لتشجيع الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال»، مشيرًا إلى أن «هذه الخطوات عززت ثقة المؤسسات الدولية فى الاقتصاد المصرى، وأسهمت فى زيادة احتياطى النقد الأجنبى، وتحقيق معدلات نمو إيجابية، رغم التحديات العالمية».وواصل: «الرئيس السيسى كان حريصًا على أن يترافق الإصلاح الاقتصادى مع حماية اجتماعية واسعة، فتم التوسع فى برنامج (تكافل وكرامة)، ودعم السلع التموينية، لتخفيف الأعباء عن محدودى الدخل، ما يعكس التوازن بين البعدين الاقتصادى والاجتماعى»، داعيًا إلى استمرار دعم خطط الاستثمار فى الإنسان، باعتباره الركيزة الحقيقية لأى تنمية مستدامة.وأكمل: «الرئيس أولى اهتمامًا بالغًا بالمشروعات القومية الكبرى فى مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والزراعة، والتى لعبت دورًا رئيسيًا فى خلق فرص العمل، وتحفيز النشاط الاقتصادى، إلى جانب تطوير المناطق الأكثر احتياجًا».وتابع: «الدولة تمضى قدمًا فى تعميق التصنيع المحلى، وخفض الاعتماد على الواردات، من خلال دعم الصناعات الوطنية، وتسهيل التمويل والتراخيص، وربط الحوافز بنسبة المكون المحلى، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بزيادة الإنتاج والتصدير»، مشددًا على أن «الاقتصاد المصرى أثبت صلابته فى مواجهة الأزمات».ونبه إلى أن من بين التحديات الراهنة ارتفاع فاتورة الاستيراد، ما يتطلب تعميق التصنيع المحلى، وتشجيع التصدير، وذلك من خلال دعم الصناعات الوطنية، وربط الحوافز الحكومية بزيادة نسب المكون المحلى، إلى جانب تيسير إجراءات التراخيص، وتوفير التمويل الميسر للمصانع الصغيرة والمتوسطة.وأضاف: «توجه الدولة نحو تعزيز دور القطاع الخاص، وطرح عدد من الشركات الحكومية فى البورصة، خطوتان مهمتان نحو اقتصاد أكثر تنافسية. كما أن وثيقة سياسة ملكية الدولة تمثل إطارًا واضحًا لتحديد دور الحكومة فى النشاط الاقتصادى، وإفساح المجال أمام المستثمرين».وجدد الإشارة إلى أن الاقتصاد المصرى أثبت قدرته على الصمود فى وجه الأزمات العالمية، مثل جائحة فيروس «كورونا» والحرب الروسية الأوكرانية، لتحافظ مصر على نمو إيجابى مقارنة بدول كثيرة، وتنجح فى السيطرة على معدلات البطالة، وتحقيق تقدم فى مجالات الصحة والتعليم والتحول الرقمى.ونبه «السيد» فى ختام حديثه إلى أهمية الاستمرار فى تنفيذ خطة اقتصادية متكاملة، تستند إلى التوازن بين الإصلاح المالى والاستثمار فى التنمية البشرية، مُعتبرًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تحفيز الإنتاج، وخفض معدلات التضخم، وتحقيق استقرار سعر الصرف، لضمان تحقيق نمو اقتصادى شامل ومستدام يعود بالنفع على جميع فئات المجتمع.

زيارة مصدر الخبر