مضت مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو فى مسار منفتح على العالم، يعكس إيمان القيادة السياسية بأهمية إعادة صياغة تموضع الدولة إقليميًا ودوليًا عبر علاقات متوازنة وشراكات استراتيجية وشبكة متشعبة من العلاقات المتنامية.وتهدف تلك العلاقات إلى تعظيم المصالح المصرية مع الأطراف الفاعلة فى مختلف دوائر التحرك، سواء الأمريكية بدول قارتيها الشمالية والجنوبية، أو الأوروبية فى إطارها الثنائى أو من خلال الاتحاد الأوروبى، وكذلك الدول الآسيوية التى تشهد معها العلاقات طفرات متوالية خلال السنوات الماضية.ويعكس ذلك توقيع مصر اتفاقية تجارة حرة مع تجمع «الميركوسور»، أحد أهم التكتلات الاقتصادية فى أمريكا الجنوبية، وانضمام مصر عضوًا شريكًا للحوار فى منظمة «شنغهاى» للتعاون فى آسيا.وجنت مصر ثمار ١١ سنة من الإنجازات الدبلوماسية، ورسّخت بها مكانتها فى صدارة المشهد الدولى، فالسياسة الخارجية التى وضع الرئيس السيسى خطوطها العريضة فى يونيو ٢٠١٤ نجحت فى تحقيق انطلاقة جديدة لتعزيز وترسيخ ثقل مصر ودورها المحورى إقليميًا ودوليًا واستعادة مكانتها ودورها لصالح الشعب المصرى.ومن قلب العاصمة الإدارية الجديدة، وفى كلمته بمناسبة أدائه اليمين الدستورية بمجلس النواب فى أبريل من العام الماضى، أكد الرئيس السيسى أولوية حماية وصون أمن مصر القومى فى محيط إقليمى ودولى مضطرب، ومواصلة العمل على تعزيز العلاقات المتوازنة مع جميع الأطراف فى عالم جديد تتشكل ملامحه وتقوم فيه مصر بدور لا غنى عنه لترسيخ الاستقرار، والأمن، والسلام، والتنمية.وحصلت مصر على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن، وترأست لجنة مكافحة الإرهاب بالمجلس، والقمة العربية، وجمعت بين عضوية مجلس السلم والأمن الإفريقى ورئاسة لجنة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية المعنية بتغير المناخ، واختيارها لرئاسة الاتحاد الإفريقى، وعضويتها فى تجمع «بريكس»، كما توثقت علاقاتها بدول العالم وقواه الكبرى.واكتسبت دعوة مصر للانضمام لتجمع «بريكس»، اعتبارًا من يناير ٢٠٢٤، أهمية كبرى فى هذا التوقيت الذى يشهد فيه العالم تغيرات كبيرة ومتسارعة، وهى دعوة رحب بها الرئيس السيسى حيث قال، فى بيان: «نعتز بثقة كل دول التجمع التى تربطنا بها جميعًا علاقات وثيقة، ونتطلع للتعاون والتنسيق معها خلال الفترة المقبلة، وكذلك مع الدول المدعوة للانضمام لتحقيق أهداف التجمع نحو تدعيم التعاون الاقتصادى فيما بيننا، والعمل على إعلاء صوت دول الجنوب إزاء مختلف القضايا والتحديات التنموية التى تواجهنا، بما يدعم حقوق ومصالح الدول النامية».وشكلت دعوة مصر للانضمام للتجمع شهادة ثقة من جانب أحد أقوى التجمعات الاقتصادية فى قدرة الاقتصاد المصرى، فضلًا عن أنها تعكس إدراكًا لثقل مصر السياسى بالمنطقة والقارة الإفريقية. ولا تألو الدبلوماسية المصرية جهدًا لدفع العلاقات المصرية مع كل أنحاء العالم، بما فى ذلك فى الإطار المتعدد الأطراف، فشاركت مصر فى قمم ومؤتمرات للمنظمات الدولية والإقليمية، سواء الجمعية العامة للأمم المتحدة أو القمم العربية وقمم الاتحاد الإفريقى، وكذلك اجتماعات لمنظمة التعاون الإسلامى، وكذلك مجموعة العشرين التى حلت مصر عليها العام الماضى كدولة ضيف خلال الرئاسة الهندية للمجموعة.وتحرص مصر على المشاركة فى فعاليات «بريكس» التى تعد مجموعة سياسية بدأت المفاوضات لتشكيلها عام ٢٠٠٦، وعقدت أول مؤتمر قمة لها عام ٢٠٠٩، وكان أعضاؤها هم الدول ذوات الاقتصادات الصاعدة، وهى: البرازيل وروسيا والهند والصين، تحت اسم «بريك»، قبل أن تنضم إليها جنوب إفريقيا فى عام ٢٠١٠، ليصبح اسمها «بريكس».وتجسيدًا لمكانة مصر إقليميًا ودوليًا، ودورها المؤثر فى القضايا والملفات الاقتصادية الدولية الرئيسة، والمستقبل الواعد الذى ينتظرها مع المشروعات العملاقة التى تشيدها والانطلاقة التنموية الكبيرة التى تشهدها- كانت مصر على موعد جديد لتكون حاضرة فى صفوف الدول الكبرى، فقد دعت حكومة البرازيل، خلال فترة رئاستها المجموعة «الفترة من الأول من ديسمبر ٢٠٢٣ وحتى ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٤»، مصر للمشاركة كدولة ضيف فى كل اجتماعات المجموعة.وتعد المشاركة المصرية فى اجتماعات مجموعة العشرين- التى تمثل دولها ٨٠٪ من الناتج الإجمالى العالمى، و٧٥٪ من حجم التجارة الدولية، و٦٠٪ من سكان العالم- برئاسة البرازيل هى الرابعة من نوعها منذ إنشاء المجموعة، والثانية على التوالى بعد مشاركة مصر فى اجتماعات العشرين الدورة الماضية، خلال فترة رئاسة الهند، والتى تكللت بمشاركة رئيس الجمهورية فى أعمال قمة المجموعة فى «دلهى» فى سبتمبر ٢٠٢٣.وتقديرًا للقيمة المضافة التى تمثلها مصر فى مناقشات مجموعة العشرين، توصل السفير راجى الإتربى، الممثل الشخصى لرئيس الجمهورية لدى «مجموعة العشرين» ومساعد وزير الخارجية، ونظيره الجنوب إفريقى، إلى اتفاق نهائى بشأن قيام مصر باستضافة وتنظيم اجتماع رسمى لمجموعة العشرين حول الأمن الغذائى أوائل سبتمبر المقبل، بناء على التفاهمات التى جرت بين الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والهجرة، ووزير خارجية جنوب إفريقيا «رونالد لامولا».ويعد الاجتماع هو الأول من نوعه الذى تستضيفه وتنظمه مصر لـ«العشرين» منذ نشأة المجموعة عام ١٩٩٩، حيث إنه من النادر أن توافق الدول الأعضاء على عقد اجتماع للمجموعة فى دولة غير عضو.ومنذ عام ٢٠١٤ عززت مصر دورها فى تكتلات الجنوب الصاعد، وعلى رأسها مجموعة «الـ٧٧ + الصين»، دفاعًا عن مصالح الدول النامية ورؤية أكثر توازنًا للعدالة الاقتصادية الدولية، حيث انضمت مصر للمجموعة منذ تأسيسها بإعلان مشترك من ٧٧ دولة نامية فى مقر الأمم المتحدة بجنيف عام ١٩٦٤، والذى يعد أكبر تجمع للدول النامية فى الأمم المتحدة بعضوية ١٣٤ دولة حتى تاريخه.وحظيت مصر برئاسة المجموعة عدة مرات، آخرها فى عام ٢٠١٨، وتنخرط المجموعة منذ تأسيسها فى جهود تعزيز المساواة بين دول الشمال والجنوب، وسد الفجوة المالية والمعرفية والتكنولوجية بينهما، وإصلاح المنظومة التنموية للأمم المتحدة.وفى هذا السياق، تقوم وزارة الخارجية بالتنسيق، من خلال بعثاتها الدبلوماسية فى الخارج، مع الدول متشابهة الفكر داخل مجموعة الـ٧٧، لضمان تحقيق المصالح الوطنية لمصر ومصالح الدول المتشابهة الفكر مع مصر، وبما يصب لصالح تعظيم مكانة المجموعة وتأثيرها على الصعيد الدولى وضمان تلبيتها مطالب البلدان النامية من النظام الدولى على الأصعدة الاقتصادية والتمويلية والتجارية.وتنامى دور المجموعة خلال السنوات القليلة الماضية، الأمر الذى تجلى فى تنظيم قمتين للمجموعة، الأولى قمة «تحديات التنمية الحالية: دور العلم والتكنولوجيا والابتكار» التى تم تنظيمها فى العاصمة الكوبية «هافانا» فى سبتمبر ٢٠٢٣، والثانية «قمة الجنوب» التى تم تنظيمها فى العاصمة الأوغندية «كامبالا» فى يناير ٢٠٢٤، وحرصت مصر على المشاركة الفعالة فى هاتين القمتين.
أخبار عالمية, جريدة الدستور
29 يونيو، 2025