ثقافة, جريدة الدستور 8 يناير، 2026

شُيعت جنازة المفكر الكبير الدكتور مراد وهبة، أمس، بعد أن وافته المنية، أمس الأول، عن عمر ناهز ١٠٠ عام.وقدم «وهبة» العشرات من الأعمال الفكرية والفلسفية التى انتصر من خلالها للعقل، وأعلى من شأنه.وشكلت أفكار مراد وهبة تيارًا تنويريًا ورافدًا من أبرز روافد مقاومة التطرف، وما يؤكد ذلك أن تيارات المتشددين، وفى القلب منها جماعة الإخوان الإرهابية والسلفيون، تناقلت خبر وفاته مصحوبًا بالتشفى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تناقلت عشرات الحسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعى خبر رحيله عن عالمنا، مع اتهامات بالإلحاد.آمن «وهبة» بأن نهضة المجتمعات العربية لن تحدث إلا بالتفكير النقدى، واحترام التعدد والاختلاف، وكان يُعد مدرسة فكرية قائمة بذاتها، وأستاذًا حقيقيًا لم يكتفِ بنقل المعرفة، بل علّم العديد من الباحثين كيفية التفكير العلمى، القائم على النقد وإعمال العقل والفكر، واحترام الاختلاف والتنوع، وطالب بذلك آلاف المرات، سواء فى كتبه ومؤلفاته، أو مقالاته الفكرية، وفى صالون «ابن رشد»، الذى واظب على إقامته.ترك وهبة العديد من المؤلفات والدراسات الفكرية الفلسفية، ويبقى «ملاك الحقيقة المطلقة» أهمها، والذى يستنتج فيه بالأدلة استحالة وجود حقائق مطلقة، متصديًا لكل من يدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة، مشيرًا إلى ما جرّته هذه الأفكار على المجتمعات العربية من تأخر عن العالم بملايين السنوات الضوئية.وكان «وهبة» يرى أن «العقيدة مطلق والعقل نسبى، وقد استحال النسبى إلى مطلق، وكانت هذه خطيئة العصور الوسطى، ارتكبتها من أجل تثبيت المجتمع الإقطاعى، والحيلولة دون بزوغ مجتمع آخر. وقد اتخذت هذه الخطيئة قناعًا لها فى مبدأ الحق الإلهى للملوك».وآمن الراحل بأن حضارات العالم الثالث معزولة منذ عدة قرون، بسبب الغزو الاستعمارى من الخارج، وسيطرة الأسطورة من الداخل. ولهذا فإن عزلتها مصنوعة، وليست طبيعية أو فطرية: «عزلة ليست بسبب التباين، وإنما بسبب عدم رغبة الحضارة الأوروبية فى شكلها الاستعمارى والاستغلالى، فى تطويرها وتحريرها».وُلد مراد وهبة، الذى وصف بأنه باعث الرشدية الحديثة ومناهض الأصولية الدينية، فى قلب صعيد مصر، تحديدًا بمحافظة أسيوط فى ١٣ أكتوبر ١٩٢٦، ودرس الفلسفة بجامعة القاهرة، ونال درجة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، وعمل أستاذًا للفلسفة فى جامعتى القاهرة وعين شمس، وكان عضوًا فى الهيئة العلمية للجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، ودعا فى العام ١٩٧٩ لعقد المؤتمر الفلسفى الإسلامى الأول، الذى عقد بالفعل تحت عنوان «الإسلام والحضارة».قدم «وهبة» للمكتبة العربية العشرات من المؤلفات والدراسات الفكرية والفلسفية، نذكر من بينها: «قصة الفلسفة» و«رباعية الديمقراطية» و«الأصولية والعلمانية» و«جرثومة التخلف» و«المعجم الفلسفى» و«مسار فكر» و«مدخل إلى التنوير» و«سلطان العقل»، و«زمن الأصولية.. رؤية للقرن العشرين» و«المذهب عند كانط» و«مستقبل الأخلاق» و«مفارقة ابن رشد».

زيارة مصدر الخبر