تشهد الساحة الثقافية الاسترالية واحدة من أوسع موجات المقاطعة الأدبية في السنوات الأخيرة، بعد إعلان عشرات الكتّاب والمفكرين انسحابهم من “أسبوع الكتاب في أديلايد” المقرر انعقاده في فبراير 2026، احتجاجًا على قرار إدارة المهرجان إلغاء مشاركة الكاتبة والأكاديمية الفلسطينية-الاسترالية راندا عبد الفتاح من برنامج الفعالية، في خطوة اعتبرها المشاركون تعبيرًا صريحًا عن الإقصاء السياسي والتضييق على الأصوات المتضامنة مع فلسطين.
وفقا لجريدة “سيدني مورنينج هيرالد”، جاء قرار الاستبعاد على خلفية ما وصفه منظمو المهرجان بـ«مخاوف تتعلق بالسلامة والحساسية المجتمعية»، رغم إقرارهم بعدم وجود أي صلة بين الكاتبة أو كتاباتها وأي أحداث أمنية وقعت مؤخرًا في أستراليا. هذا التبرير قوبل برفض واسع من الوسط الثقافي، الذي رأى فيه سابقة خطيرة تمس جوهر حرية التعبير، وتفتح الباب أمام إسكات كتاب بسبب مواقفهم السياسية أو هويتهم.
وضمت قائمة المقاطعين أسماء بارزة في الأدب والفكر، من بينهم زادي سميث، هيلين جارنر، ويانيس فاروفاكيس، وميشيل دي كريترسر، وتشارلز يو، وكريستوس تسولكاس، إلى جانب عدد كبير من الروائيين والشعراء والباحثين الذين أكدوا أن استمرارهم في المشاركة لم يعد ممكنًا في ظل استبعاد صوت فلسطيني بهذه الطريقة. وأكد الموقعون على بيانات الانسحاب أن المقاطعة ليست موجهة ضد المهرجان كحدث ثقافي، بل ضد القرار ذاته وما يحمله من دلالات سياسية وأخلاقية.
ويرى المقاطعون أن استبعاد راندا عبد الفتاح يعكس مناخًا متزايدًا من الرقابة غير المعلنة على الخطاب المتعلق بفلسطين، حتى داخل الفعاليات الثقافية التي يفترض أن تكون مساحة للتعدد والاختلاف. كما شددوا على أن الثقافة لا يمكن أن تكون محايدة أمام الظلم، وأن إسكات كاتبة بسبب مواقفها أو خلفيتها يتناقض مع القيم التي تقوم عليها الكتابة والأدب.
وقد أثارت المقاطعة نقاشًا واسعًا داخل أستراليا وخارجها حول دور المؤسسات الثقافية في لحظات الصراع السياسي، وحدود ما يسمى بـ«الحياد»، خصوصًا عندما يتحول إلى أداة لإقصاء طرف بعينه. وبالنسبة لكثير من المثقفين المتضامنين مع فلسطين، تمثل هذه المقاطعة رسالة واضحة بأن الدفاع عن حرية الكلمة والعدالة لا ينفصل عن الممارسة الثقافية نفسها، وأن التضامن لم يعد يقتصر على البيانات، بل يمتد إلى مواقف عملية مؤثرة.