بوابة الشروق, ثقافة 15 يناير، 2026

تنطلق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، بعد نحو أسبوع، إذ تبدأ هذه الدورة في 21 يناير وتنتهي في 3 فبراير المقبل، فيما جرى اختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ شخصيةً للمعرض بعد مرور 20 عامًا على رحيله، ومن المقرر أن يضم برنامج الفعاليات مجموعة كبيرة حوله من معارض فنية وندوات، وحلقات نقاشية حول إسهامه وأفكاره.
ولا يزال نجيب محفوظ، رغم مرور نحو 20 عامًا على غيابه، حاضرًا بقوة في كتابات النقاد، ومصدرًا للدراسات والتأملات النقدية.
وبحسب كتاب: «الحياة في مقام الحيرة.. قراءة في أعمال نجيب محفوظ المجهولة»، لعزة بدر، فالفتوة في أعمال نجيب محفوظ يعبّر عن حالتين: القهر، وهذا شأن معظم فتوات محفوظ، والعدل، والذين نادوا به أو عملوا به من الفتوات نادرون، ومنهم عاشور الناجي في رواية «الحرافيش»، كما يرى عديد من النقاد.. فهل شهدت بواكير قصص نجيب محفوظ المجهولة ظهور الفتوة كأحد جزئيات العالم الروائي لديه؟
وفقًا للكتاب، نكتشف ذلك من خلال قصتين نُشرتا في مجلتين أدبيتين، واحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، والثانية في الأربعينيات.
جاءت القصة الأولى بعنوان «ملوك جوف الأرض»، ونُشرت في مجلة «المجلة الجديدة الأسبوعية» بتاريخ 2 نوفمبر 1934م، وقصة «قتيل بريء» ونُشرت في مجلة «كليوباترا» بتاريخ 9 سبتمبر 1946م، وجمعهما محمود علي في كتابه الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «قصص نجيب محفوظ التي لم تُنشر».
ويتخذ نجيب محفوظ من شخصية الفتوة في أدبه رمزًا للسلطة في كل وجوهها، بين العدل والظلم، والسماحة وضيق الأفق، والعنف والاعتدال، والشهامة أحيانًا، وكسر رقاب الناس أحيانًا أخرى! ولم يتوقف عند الرؤية الخارجية للحارة والفتوات والأحياء الشعبية، بل كان على الدوام يخرج من الإطار الواقعي إلى المعاني الإنسانية الكبيرة.
وإذا كانت رواية «الحرافيش» لكاتبنا هي أكثر رواياته تركيزًا على صورة الحارة والفتوات، فقد عدّها رجاء النقاش عملًا شعريًا بقدر ما هي عمل روائي، ويصفها بأنها أغنية بديعة تتحدث عن مشكلة الإنسان في بحثه الدائب عن العدل والسعادة والخلاص.
شخصيات هذه القصص أخذها نجيب محفوظ من رواياته أيضًا، فحال تأمل قصته «ملوك جوف الأرض» نجد شخصية «العفريت»، وهو أحد رجال الفتوة – كما نرى الفتوة نفسه – يبدو مرهوبًا شديد البأس، مما جعل ابنته تهدد باسمه كل من يعترضها، ويرسم كاتبنا مجتمع الحكاية الذي يشبه مجتمع الحارة الفقيرة الكادحة، فيقول في السطور الأولى لقصته:
«إذا أتى الصيف واشتدت الحرارة، وزهقت النفوس، خرج هؤلاء القوم من أكواخهم المتهدمة المبنية من الصفائح إلى العراء، يبيتون على أديم الغبراء غاية الأطراف في الأفق، وكانت ليلة قمراء اجتمع فيها الصبيان والفتيات بأجسامهم البالية، ووجوههم المغبرة، وخمرهم الممزقة الباهتة، وقد وضع كل منهم حقه الذي يجمع فيه أعقاب لفافات التبغ من على الأرض، وتمدد تحت ضوء القمر يشد الراحة بعد تجوال مرهق سحابة النهار ونصف الليل».
وبالمقارنة بين فتوات رواية «الحرافيش» وفتوات قصة «القتيل البريء»، يتضح أن الفتوة الجديد، ابن الشيخ صميدة، تحكمه مخاوف فقدان موقعه داخل عالم الفتونة بقدر ما تحكمه القوة ذاتها.
فهو يخشى لحظة الضعف التي قد تخرجه من هذا العالم المغلق ذي القوانين الصارمة، وهو عالم سبق أن عرف التمرد على عنفه في نماذج مثل «فتح الباب» و«عاشور الناجي» في «الحرافيش»، حين جرى تجاوز مفهوم القوة الغاشمة لصالح البحث عن عدالة حقيقية، وإعادة الفتونة إلى معناها القديم بوصفها حماية للضعفاء، وانتصارًا للفقراء، وتجسيدًا للبطولة لا للبطش.
فيما تنقلب الصورة في قصة «القتيل البريء»؛ إذ يحسم ابن الشيخ صميدة اختياره بالانصياع لقانون الفتونة الجديد القائم على العنف، لا اقتناعًا بقدر ما هو خوفًا من الإقصاء، ورعبًا من أن يتحول هو نفسه إلى ضحية للبطش.
وتكشف القصة عن فتوة يتردد ويخجل من طلب مرافقة أبيه له في القتل، حتى لو كان ذلك بحجة خوضه أول اختبار حقيقي في عالم الفتونة، فيمضي وحيدًا، حاملًا بندقيته، متسللًا في عتمة الدهليز، محاطًا بالخوف، مستعيدًا في تلك اللحظة القاسية معنى السلطة حين تنفصل عن العدل.

زيارة مصدر الخبر