تناول كتاب الصحفية في وكالة “رويترز” الإخباربة، إيمي دونيلان ، بعنوان «خارج الميزان» قضية شكل ووزن الإنسان لاسيما بالنسبة للنساء في مجتمعاتنا الحديثة، موضحة أن فشل المجتمعات الغربية في مواجهة السمنة و البدانة دفع المجتمع إلى محاولة تشويه سمعة أصحاب الوزن الزائد لإجبارهم على تناول كميات أقل من الطعام، هذه النزعة التي تربط بين الوزن الزائد و”سوء الأخلاق” – وبين النحافة والإرادة والتحكم الذاتي – تتعامل مع السمنة على أنها قصور أخلاقي قبل أن تكون مرضًا جسديًا، وكأنها اختيار نمط حياة لا أكثر.
ولعل هذا أبرز مزايا الكتاب التي سعت المؤلفة من خلاله لاستكشاف أدوية فقدان الوزن الجديدة ضمن السياق الاجتماعي والثقافي المترابط بمعايير الجمال، وصورة الجسد، وضغوط الصحة العامة، وتحدثت في البداية عن أدوية مثل “أوزيمبك”، و”يجوفي” أو “مونجارو” فقالت إنه النسبة لأولئك الذين يحتاجونها، يمكن أن تكون الحقن الأسبوعية ثورية. لكن بينما يستخدمها مرضى السكري أو السمنة لتحسين صحتهم، هناك آخرون – لا يعانون من السمنة ولا السكري – يحصلون عليها لأسباب جمالية؛ أي لتناسبهم الملابس الأصغر، أو للوصول إلى الجسم الرشيق الذي تتطلبه المعايير التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي.
وقالت إنه في السبعينيات من القرن الماضي، كان يُنظر إلى أسباب السمنة على أنها بديهية؛ بسبب تناول الكثير من الطعام وممارسة القليل من الرياضة، وبالتالي غير جديرة بالبحث العلمي الجاد، وتحدثت عن سفيتلانا مويسوف، المهاجرة المقدونية إلى الولايات المتحدة، التي جاءت إلى جامعة روكفلر في نيويورك عام 1972 لمتابعة دراسات كيميائية بعد التخرج، والتي اختلفت مع هذا الرأي، واهتمت بدراسة سبب شعور بعض الناس بالشبع أسرع من غيرهم، أو سبب اختلاف معدل الأيض لديهم. وقد نجحت أبحاثها – التي يرشحها البعض لنيل جائزة نوبل مستقبلًا – في تطوير نسخة صناعية من هرمون طبيعي، الببتيد الشبيه بالجلوكاجون (GLP-1)، الذي يساعد في تنظيم مستوى السكر في الدم.
واستفادت شركة نوفو نورديسك الدنماركية من هذا الهرمون كعلاج محتمل للسكري، وبعد عقود من الجهد، توصل العلماء إلى دواء “سيماجلوتايد” يمكن لمرضى السكري استخدامه مرة واحدة أسبوعيًا، بدل الحقن المتعددة يوميًا للأنسولين. لكن التجارب كشفت شيئًا غير مسبوق، وهو تأثير الدواء لم يقتصر على ضبط سكر الدم، بل أدى أيضًا إلى فقدان المشاركين حتى 20% من وزن أجسامهم، تقريبًا دون جهد يذكر.
وكانت نوفو نورديسك قد اكتشفت الكأس المقدسة – علاج كيميائي آمن وفعال للسمنة. ومع انتشار الخبر، بدأ المشاهير بالبحث عن الدواء، وعندما أعلنت المذيعة الأمريكية السمراء، أوبرا وينفري، التي لوحظ عليها أمارات الرشاقة الجديدة، أن سبب تغير مظهرها هو الدواء، اندفع الجميع للحصول على “أوزيمبك”. وبفضل هذا المنتج، ارتفعت القيمة السوقية لشركة نوفو نورديسك لتتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للنرويج بأكملها.
والأمر اللافت في كتاب “دونيلان” هو حرصها على عدم تصوير أدوية GLP-1 كحل مثالي بلا عيوب؛ فهي تتناول الآثار الجانبية مثل الغثيان الشديد، كما تشير إلى استخدام الأشخاص غير المصابين بالسمنة للدواء وما قد يترتب على صحتهم. لكن أكثر ما يثير الفضول – والذي لم تُعنَ به “دونيلان” بعمق – هو أن العلماء لا يعرفون بعد تمامًا سبب تفوق هذه الأدوية في إنقاص الوزن، سوى وجود مستقبلات GLP-1 في الدماغ، والتي يبدو أن زيادة مستويات الهرمون فيها تقلل الرغبة الشديدة في الطعام، فتخف حدة التفكير المستمر في الأكل، ويصبح التحكم بالشهية سهلاً وبدون جهد.
وهذا يفتح أبوابًا للتساؤلات المستقبلية حول استخدام هذه الأدوية لعلاج الإدمان على المخدرات أو الكحول أو القمار، وما قد يعنيه ذلك لمفهوم الحرية أو الإرادة، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
كما ناقش الكتاب التأثير الأوسع لهذه الأدوية على المجتمع والثقافة؛ فبينما توفر الحقن مثل “أوزيمبك” و”ويجوفي” إمكانيات جديدة لمن يعانون السمنة أو السكري، إلا أنها تثير جدلاً حول مفهوم الصحة والجمال المثالي، وتضع ضغوطًا إضافية على الأفراد العاديين لتحقيق معايير جسدية يصعب بلوغها بشكل طبيعي.
وأشار الكتاب إلى أن انتشار هذه الأدوية بين غير المصابين بالسمنة يشبه محاولة “تصحيح” الجسد وفق الصورة المتداولة في وسائل الإعلام، وهو ما يعكس الربط العميق بين الجسد والقيمة الاجتماعية. وأبرزت المؤلفة كيف يمكن لهذا التركيز على الشكل الخارجي أن يعيد تشكيل العلاقات المهنية والاجتماعية، ويخلق نوعًا من المنافسة غير المعلنة بين الأفراد على مقياس الوزن المثالي، مما يجعل القارئ يدرك أن الأدوية ليست مجرد علاج طبي، بل جزء من حوار ثقافي معقد حول الهوية والمكانة الاجتماعية.
بوابة الشروق, ثقافة
21 يناير، 2026