ارتبط مفهوم الشرعية بالإجماع أو التوافق، في صورته السياسية، في إطار ترتيب الإدارة الداخلية للدول، وهو ما يبدو في الآليات المعتادة، كالانتخابات أو الاستفتاءات، والتي تمثل أدوات تمرير السلطة التنفيذية أو التشريعية، وتضفي عليها غطاء من الحماية، سواء فيما يتعلق بوجودها أو حتى ما تتخذه من قرارات، يتم تمريرها في الإطار التشريعي أو التنفيذي، على اعتبار أن العناصر التي مررت هذه القرارات تحظى بشرعية أولية عبر اختيارها بآلية الصناديق، بينما ولدت الشرعية في صورتها الدولية عبر توافق داخل مجتمع الدول على قرارات معينة، على غرار حل الدولتين في القضية الفلسطينية، والذي يستمد شرعيته من حالة التوافق الدولي على ضرورة تأسيس دولة فلسطينية مستقلة على حدود يونيو 1967، وهو ما تحميه اتفاقات ومواثيق ومنظمات دولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
ولكن الشرعية بصورتها سالفة الذكر، تحمل في طياتها غطاءً سياسيا أو دوليا واضحا وظاهرا، بينما توارى خلفه القرار الاقتصادي، والذي لم يحمل شرعية بذاته، حيث يستمدها، في الداخل، من شرعية النظام الحاكم، أو على النطاق الدولي، في إطاره التقليدي، عبر قرارات أممية، لم تكن في واقع الأمر معبرة عن مصالح المجتمع الدولي ككل، بقدر ما قدمت من حماية لشرعية أنظمة بعينها، على غرار مسائل التجارة الحرة والعولمة أو حتى بعد ذلك ما ارتبط بمفهوم التنمية المستدامة، وهي مفاهيم حظت بشرعية دولية في إطار تقليدي، ولكن تلاحقها مخاطر السياسية وتقلباتها، وهو ما يمكن أن نلمسه بوضوح في التغييرات العميقة في السياسات الأمريكية، على غرار العودة لزمن التعريفات الجمركية، أو الانقلاب على قضايا البيئة، وما تمثله من خروج صريح على قواعد الاستدامة، وغير ذلك من خطوات من شأنها زعزعة الشرعية الدولية.
الطرح السابق يثير تساؤلا حول ما إذا كانت الحاجة باتت ملحة إلى ما يمكننا تسميته بـ”شرعية اقتصادية” اكثر تحصينا من الابتزاز، لتكون حلقة اتصال بين ما هو سياسي ودولي لحماية المكتسبات التي تتحقق، ودرء المخاطر التي تلاحق العالم، في حقبة يتحول فيها العالم نحو حالة فوضى، تترتب عليها أزمات خطيرة، تقع أغلب تداعياتها على الحالة الاقتصادية للدول، بما فيها القوى الكبرى الحاكمة للعالم.
والشرعية الاقتصادية هنا لا تعني قداسة الأرقام، بل تعني حماية المسار من أن يتحول إلى لعبة انتخابية أو ورقة ابتزاز، ويمكن تعريفها بأنها إطار توافقي، يضمن استمرارية السياسات الاقتصادية ويحميها من تقلبات السياسة الداخلية والابتزاز الخارجي، عبر قواعد مؤسسية ملزمة ومحاسبة شفافة.
والخطورة في التداعيات الاقتصادية للأزمات العالمية، ليس في كونها فقط مرتبطة بحل جذورها، وإنما في ارتباطها بمسارين، أولهما أنها تحول المواطن من موقع المتابع، على غرار الغالبية العظمى من الأزمات السياسية والدولية ليصبح طرفا أساسيا تتأثر حياته بنتائجها بشكل مباشر وسريع، بينما في مسار آخر، لا يقتصر الحل على هدن مؤقتة، وإنما تحتاج إلى سياسة “النفس الطويل”، في ضوء طول مداها وصعوبة القرارات التي تتخذها الدول من أجل حلها، سواء في الداخل أو على النطاق الجمعي.
أزمة التداخل بين الشرعية الاقتصادية والشرعيات الأخرى، تتجلى في الداخل مع استخدامها من قبل الأنظمة الحاكمة لاسترضاء الرأي العام، عبر سياسة “المسكنات”، للاحتفاظ بالسلطة، خوفا من المقامرة بحلول صعبة، يمكن المزايدة عليها من قبل الخصوم السياسيين، وبالتالي يبقى الحل الجذري بعيدا بل وأكثر تعقيدا بمرور الوقت، وبينما يبقى ارتباطها بالنطاق الدولي مفيدا لقوى معينة تحظى بالنفوذ داخل المؤسسات الدولية الكبرى، وبالتالي تفقد الكثير من المفاهيم جوهرها، منها على سبيل المثال مفهوم التنمية المستدامة، والذي تحول من مشروع عالمي لضبط النمو، إلى لغة ناعمة لتجميل التفاوت عند التطبيق العملي، ففي الوقت الذي يفرض فيه على الدول النامية ضبط انبعاثاتها تقوم القوى الكبرى بكسر التزاماتها في هذا الإطار، وفي الوقت الذي حظت فيها مناطق بعينها بحماية سياسية وأمنية، لتتراكم فيها الفرص وتحقق طفرات تنموية، تركت أخرى للفوضى فتآكلت الدول وسقطت الاستثمارات وتبخرت الطموحات التنموية، فلم تعد الاستدامة معيارا موحدا يحكم الجميع وإنما أداة تفاوض لتقويض صعود البعض عندما يتعارضون مع مصالح البعض الآخر.
الشرعية الاقتصادية، في جوهرها لا تصمد دون حوار يقوم على التوافق، سواء في المجتمع الداخلي أو مجتمع الدول، شريطة أن يخلق الحوار حدا أدنى من الاستمرارية يمنع القفز بين السياسات، فالمعضلة الرئيسية التي تواجه الاقتصاد هي تغيير السياسات بتغير الظروف، ويعتمد على الخبراء والسياسيين وأصحاب الرؤى غير التقليدية، مما يخلق التزاما واضحا بالنتائج التي يؤول إليها، بحيث يعتمد في نهاية المطاف على خطط واضحة، تضاهي في قوتها توافقات وطنية تتجاوز عمر الحكومات، أو مواثيق دولية، ترفع كلفة الالتفاف عليها.
ولكي لا تتحول الشرعية الاقتصادية إلى شعار نظري، فإنها تحتاج إلى آليات عملية تحول الاستمرارية إلى التزام، لا إلى رغبة، فجوهرها يقوم على تثبيت المسار الاقتصادي عبر خطط ممتدة تتجاوز عمر الحكومات، وربط القرارات الكبرى بتقييمات أثر واضحة، ورفع كلفة التراجع عن السياسات بحيث يصبح الانقلاب عليها أكثر كلفة من الاستمرار فيها، وهو ما يحد من توظيف الاقتصاد كأداة للمزايدة الداخلية أو للمساومة الخارجية.
وهنا يمكننا القول إن الحاجة إلى شرعية اقتصادية ليست رفاهية نظرية، بل ضرورة تفرضها لحظة عالمية تتآكل فيها قواعد السياسة والاقتصاد معًا. فعندما يصبح القرار الاقتصادي رهينة الاستقطاب الداخلي أو الابتزاز الدولي، لا يعود المواطن مجرد متفرج، بل يتحول إلى ساحة للأزمة ووقود لها. ومن هنا تتأكد قيمة النماذج التي حاولت حماية القرار الاقتصادي من مزايدات اللحظة عبر نفس طويل يفرض الاستمرارية ويمنع القفز بين السياسات، لا بوصفها وصفات جاهزة، وإنما باعتبارها خبرات تراكمية تُثبت أن الاستقرار لا يصنع بالشعارات بل بالقدرة على الالتزام بخيارات صعبة حتى تؤتي نتائجها، وهو ما بدا في التجربة المصرية حين جعلت الاقتصاد ركيزة للاستقرار الداخلي، عبر قرارات ومشروعات وسياسات، لعبت دورا رئيسيا في الخروج من مرحلة الفوضى التي ضربت المنطقة بأسرها في العقد الماضي، ومدخلًا لهندسة الاستقرار في الإقليم، وهو ما يبدو في محورية البعد الاقتصادي في الرؤى التي تتبناها الدولة لحل الأزمات الكبرى، على غرار خطتها فيما يتعلق بإعادة إعمار غزة، والتي تمثل جزءً لا يتجزأ من الصيغة النهائية للاتفاق الذي أسفرت عنه قمة شرم الشيخ.