فى الوقت الذى وضعت فيه الإدارة الأمريكية فروع جماعة الإخوان فى مصر والأردن ولبنان على قوائم المنظمات الإرهابية، لا تزال الحكومة البريطانية مترددة فى اتخاذ خطوة مماثلة، رغم تزايد المطالب الأوروبية والبريطانية بإدراج الجماعة على قوائم الإرهاب، خاصة بعد قرار البرلمان الفرنسى الأخير الداعى إلى تصنيفها ضمن التنظيمات الإرهابية الأوروبية.حاورت «الدستور» الدبلوماسى البريطانى السابق، السير جون جينكينز، الذى قاد المراجعة الشهيرة حول أنشطة جماعة الإخوان فى المملكة المتحدة بتكليف من رئاسة الوزراء البريطانية عام ٢٠١٤، حيث خلص تقريره إلى أن أفكار التنظيم تتعارض مع القيم البريطانية القائمة على التعددية والمساواة، وأنه- التنظيم- قد يستغل المؤسسات المدنية والتعليمية لبناء نفوذ سياسى واجتماعى غير معلن، ما يهيئ بيئة خصبة للتطرف غير العنيف.وكشف «جينكينز» عن التحديات التى تعوق إدراج الجماعة منظمة إرهابية فى بريطانيا، مؤكدًا أن جماعة الإخوان لا تعمل هناك وفق هيكل تنظيمى هرمى واضح، ولا تملك قيادة معلنة مثل المرشد العام، الأمر الذى يتطلب استثمارات ضخمة فى الموارد التحقيقية لإثبات أنشطتها الإجرامية أمام القضاء. ■ بعد أكثر من ١٠ سنوات على تقريرك المقدم إلى الحكومة البريطانية.. كيف تقيّم وضع الإخوان فى بريطانيا اليوم؟- القضية تجاوزت جماعة الإخوان بكثير. فالتأثير الواسع للأيديولوجيات الإسلاموية التى تنبع جميعها، بطريقة أو بأخرى، من الإخوان، يتم تمريرها فى المملكة المتحدة أساسًا عبر حركات ديوبندية وبريلوية جنوب آسيوية، تستلهم أفكارها من شخصيات مثل «أبوالأعلى المودودى»، ومن حركات الإحياء الهندية فى القرن التاسع عشر، وأصبح لها تأثير هائل. ورأينا ذلك بوضوح خلال العامين الماضيين مع الاحتجاجات المتعلقة بغزة.هذه الاحتجاجات تعبّر بالطبع عن غضب حقيقى إزاء الحرب، لكنها فى الوقت نفسه تحمل طابعًا معاديًا للسامية ومؤيدًا لـ«حماس» بشكل واضح، وتمثل تحالفًا تكتيكيًا بين بعض الجماعات اليسارية والإسلامويين.■ على الرغم من المخاطر التى تمثلها جماعة الإخوان فى بريطانيا.. لماذا لم يتم تصنيفها منظمة إرهابية؟ – جماعة الإخوان فى بريطانيا ليست تنظيمًا هرميًا منضبطًا؛ فلا يوجد- على سبيل المثال- مرشد عام مُعلن. هى فى الأساس شبكة اجتماعية تسعى إلى تفادى الرصد، وتشكل جزءًا من شبكة أوسع من الجماعات الإسلاموية التى لا يتم تنسيقها عبر هياكل رسمية، بل من خلال ما وصفه الفيلسوف الفرنسى، جيل دولوز، بـ«الجذور»، أى شبكات شبيهة بجذور الأشجار فى الغابات. وهذا الواقع يجعل من الضرورى تخصيص موارد تحقيقية مكثفة للوصول إلى أدلة الأنشطة الإجرامية التى يمكن ألا يتم كشفها أمام القضاء، وهى مهمة بالغة الصعوبة. أعتقد أن هذا العمل لا بد من القيام به، وقلت ذلك صراحة عندما أعددت مراجعة الإخوان عام ٢٠١٤، لكن الحكومات المتعاقبة كانت لديها أولويات أخرى. فالتحديات الأيديولوجية غالبًا ما تأتى فى مرتبة أدنى مقارنة بالمطالب السياسية اليومية، وأرى أن هذا خطأ جسيم.■ هل تعتقد أن المشكلة الجوهرية فى جماعة الإخوان تكمن فى أيديولوجيتها أم ممارساتها أم كليهما؟- الممارسات نابعة من الأيديولوجيا، وكلاهما يضر بالتماسك الاجتماعى وبالنظام الليبرالى العلمانى. يجب مواجهة الأيديولوجيا، فالنظام الليبرالى يجب ألا يتسامح مع مَن يدعو إلى تدميره، ويجب التصدى لخطاب التحريض الذى يتكرر كثيرًا فى خطب المساجد، وفى التصريحات العامة لبعض الدعاة والنشطاء الأكثر تطرفًا. كما يجب ضمان ألا يتأثر الناخبون فى خياراتهم الانتخابية بتوجيهات دينية من قادة دينيين. إنها مجموعة متكاملة من الإجراءات.■ ألا تعتقد أن الجماعة تمر بحالة تراجع حقيقى؟ أم أنها تعيد تموضعها بأدوات وأساليب جديدة؟- أعتقد أن جماعة الإخوان كما عرفناها قبل عام ٢٠١١ فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد انتهت. لكن يمكن القول أيضًا إن الجماعة كما عرفناها قبل عام ١٩٥٤ كانت قد اختفت هى الأخرى. فقد ظهرت نسخة جديدة من الإخوان فى سبعينيات القرن الماضى فى المنطقة.ومنذ أواخر الخمسينيات، أسس نشطاء الإخوان المنفيون موطئ قدم فى أوروبا والولايات المتحدة، وبنوا شكلًا جديدًا من نشاط الإخوان، والإسلامويون عمومًا اندمجوا فى المشهد السياسى الغربى، وركزوا على الدعوة، وما يُسمّى بالأنشطة الخيرية، وتحقيق أرباح مالية واسعة النطاق، مع السعى لاكتساب نفوذ داخل مجتمعات المهاجرين المسلمين التى غالبًا ما تكون معزولة.وهذا يحدث مجددًا اليوم، فى رأيى، مع تركيز متزايد على بناء حضور سياسى فى الحياة الوطنية. أما فى المنطقة، فأرى أن هناك إعادة تجميع لقيادات إخوانية فى أماكن مثل إسطنبول، حيث تركز على جمع التمويل وإعادة التنظيم.■ إلى أى مدى لا تزال جماعة الإخوان قادرة على التأثير فى السياسات العامة أو الرأى العام فى الدول الغربية؟- الإسلامويون عمومًا باتوا قادرين بوضوح على ذلك، رأينا هذا مؤخرًا فى برمنجهام، وليستر، وأجزاء من لندن، ويوركشاير، ولانكشاير، وغيرها فى بريطانيا، ونراه أيضًا فى بعض ضواحى باريس أو بروكسل، وفى مالمو بالسويد، وأماكن أخرى فى أوروبا. هذا هو هدفهم، وهم يعلنون ذلك صراحة.■ هل نجحت السياسات الأوروبية فى الحد من نفوذ الجماعة؟ أم أنها دفعتها فقط للعمل بطرق أقل وضوحًا؟- الحكومات تعانى فى التعامل مع هذا الملف. إنها مشكلة كبرى. أول ما يجب فعله الاعتراف بوجودها وفهم مدى خطورتها. هذا بدأ يحدث، لكنه متأخر.■ لماذا لا يوجد تنسيق حقيقى بين الدول الأوروبية فى التعامل مع الجماعة؟- التنسيق بدأ بالفعل، لكنه يجب أن يكون على مستويين: فهم مشترك لطبيعة التهديد بين القادة السياسيين «الذين غالبًا ما يكون وجودهم مؤقتًا»، وفهم أعمق بكثير للتفاصيل على المستويين الإدارى والبيروقراطى. وهذا لا يزال غير مكتمل.■ كيف تقيّم القرارات الأخيرة للإدارة الأمريكية بشأن جماعة الإخوان؟- يجب أن تكون الخطوات التى اتخذتها الولايات المتحدة جرس إنذار لبقية الدول. ومع ذلك، لا أزال أعتقد أن حظر الجماعة وحده سيكون ذا تأثير محدود. فالسؤال: ما الذى يتم حظره تحديدًا؟نحتاج إلى التركيز على ما يقوله الإسلامويون ويفعلونه كأفراد وجماعات، وعلينا قطع خطوط تمويلهم، التى سيكون الكثير منها سريًا وربما غير قانونى. كما يجب وقف محاولات التغلغل الإسلاموى داخل المؤسسات العامة. القوانين اللازمة للقيام بالكثير من ذلك موجودة بالفعل، لكن الأمر يتطلب إرادة سياسية مستمرة، لا مجرد قرارات إعلامية لافتة.■ هل تعكس هذه القرارات تحولًا استراتيجيًا فى الموقف الأمريكى من الجماعة؟ أم أنها إجراءات تكتيكية مرتبطة بسياقات سياسية مؤقتة؟- أعتقد أنها تعكس تشددًا أوسع فى الرأى العام الأمريكى تجاه التهديدات الأيديولوجية، مدفوعًا أيضًا برد الفعل على تجاوزات اليسار الذى تحالف مع الإسلامويين خلال العشرين عامًا الماضية. وأعتقد أن هذا التوجه سيستمر.■ إلى أى مدى تؤثر السياسة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان على مواقف حلفائها الأوروبيين، خاصة بريطانيا؟- هذا أمر مهم. الجميع يعلم أن الحاجة إلى الولايات المتحدة أساسية. الحكومات الأوروبية تجد صعوبة أكبر فى اتخاذ إجراءات حاسمة، لكن هذه القضايا أصبحت الآن جزءًا مركزيًا من النقاش العام فى أنحاء أوروبا، مدفوعة بصعود أحزاب احتجاجية مثل «ريفورم» فى بريطانيا، و«البديل من أجل ألمانيا» فى ألمانيا، و«الجبهة الوطنية» فى فرنسا.■ ما الفرق بين المقاربة الأمنية تجاه الجماعة والمقاربة السياسية والفكرية؟- المقاربة الأمنية تميل إلى التركيز على التهديدات الفورية بالعنف أو الإرهاب، وهذا مهم. لكن يجب أن ندرك أن التهديد الجوهرى، الذى يمثله الإسلام السياسى، هو تهديد أيديولوجى للنظامين السياسى والاجتماعى، كما هو الحال فى العالمين العربى والإسلامى الأوسع.إنهم تحريضيّون. كنا نفهم ذلك فى السابق، لكننا نسينا. فالإخوان وغيرهم من الإسلامويين يدّعون تمثيل إسلام نقى وأصيل، لكنهم فى الحقيقة يمثلون تفسيرًا حديثًا وشموليًا لماضٍ إسلامى متخيّل، ممزوجًا بجرعات كبيرة من الخطاب المعادى للاستعمار، والمعادى للإمبريالية، والمعادى للسامية، وهو خطاب يجد صدى لدى غرور وسذاجة اليسار الغربى الهامشى.■ لماذا يُعدّ رصد شبكات النفوذ والتمويل التابعة للجماعة أمرًا صعبًا بالنسبة للحكومات الأوروبية؟- لثلاثة أسباب: التكلفة، وغياب بنية خبرات متخصصة داخل الحكومات، وغياب العائد السياسى الفورى. لو طُلب منك اليوم إعداد مراجعة جديدة حول جماعة الإخوان.. ماذا كنت ستغيّر فى المنهج؟- كانت ستحتاج إلى تحديث، لكن منهجنا الأساسى كان صحيحًا. أتذكر أننى تعرضت لانتقادات حادة فى ذلك الوقت، بما فى ذلك من أشخاص ادّعوا أنهم خبراء فى شئون الشرق الأوسط أو الإسلام السياسى. هؤلاء لم يعودوا ينتقدوننا الآن. لقد كنا سابقين عصرنا.
أخبار عالمية, جريدة الدستور
24 يناير، 2026