ثقافة, جريدة الدستور 27 يناير، 2026

تحتفي دار كنوز، برواية “اللوكو” الصادرة حديثًا عن دار فهرنهايت بالجلفة في الجزائر، للكاتب والإعلامي موهوب رفيق.وتثير الرواية الفضول، لأن عنوانها “اللوكو”، كلمة من أصل إسباني تعني “المجنون”، لكنها في هذا العمل الأدبي تتجاوز معناها الحرفي لتصبح مفتاحًا لفهم شخصية داي الجزائر علي خوجة.

دار كنوز تحتفى برواية “اللوكو” للكاتب موهوب رفيق
غلاف الرواية ومنذ الصفحات الأولى، يغوص القارئ في أجواء الجزائر العثمانية، وزمن التحولات الكبرى والمؤامرات الخفية، حين كانت القصبة قلب البلاد النابض، ومسرحًا لصراعات الدواوين والقناصل والأسواق، ومجالًا مفتوحًا للمغامرين والساسة.واختار موهوب رفيق، أن يعيد الحياة إلى إحدى أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ الجزائر: علي خوجة، الحاكم الذي عُرف بالجرأة في القرار، والتناقض في الطباع، إلى حد وصفه من طرف الأوروبيين بـ”المجنون”. غير أن هذا “الجنون” لم يكن سوى مرآة لعقل متقد، يسعى إلى إعادة رسم حدود السلطة، وتحريرها من التبعية العثمانية.الرواية تُصاغ بلغة تمتزج فيها الدهشة الفنية بالدقة التاريخية، في أسلوب يحافظ على جاذبية السرد دون أن يفقد عمقه المعرفي. فهي ليست مجرد رواية عن حاكم غريب الأطوار، بل تأملٌ في علاقة الإنسان بالسلطة، وكيف يمكن لليأس والطموح أن يختلطا في روح واحدة لتصنعا أسطورة.ومن خلال علي خوجة، يُقدم الكاتب صورة مركبة للحاكم الذي أراد أن يفتح للجزائريين باب المشاركة السياسية، ويكسر احتكار العثمانيين للسلطة، فقام بإصلاحات شملت الإدارة والمالية، وأسس نظامًا اقتصاديًا أعاد للحياة التجارية نشاطها بعد ركود طويل.اللافت في الرواية هو قدرتها على تحويل الوقائع التاريخية إلى مشاهد نابضة بالحياة. نرى الأسواق تُفتح في الصباح على صياح الباعة، والميناء يموج بالبحّارة والتجار، والقصبة تتعافى بعد قصف إنجليزي دمّر معظم معالمها، غير أن سكانها أعادوا بناءها في عام واحد، متحدّين الدمار بالأمل والإصرار.هذا الحس الإنساني العميق يجعل الرواية تتجاوز حدود التاريخ إلى عالم الإنسان، حيث تصبح القصبة رمزًا للروح الجزائرية التي تنهض مهما طال السقوط.ويستثمر موهوب رفيق في عمله خبرته الإعلامية، فيمزج بين الخبرة التوثيقية والخيال الروائي، ليصوغ عملًا يجمع بين الجاذبية والرصانة. لا يسعى إلى تمجيد الماضي أو تبرئة أحد، بل إلى قراءة التاريخ بعين فنية، تُعيد ترتيب الأحداث وفق منطق السرد لا منطق الوقائع الجامدة.ويبدو الكاتب هنا كمن يبحث عن الإنسان خلف اللقب، عن الحاكم الذي أحب الجزائر بطريقته، وأخطأ أيضًا بطريقته، فحكم بالقوة، وأصلح بالدهاء، وترك وراءه أثرًا من الغموض لا يقل سطوعًا عن شهرته.وفي إحدى أكثر لقطات الرواية إثارة، يروي موهوب كيف نقل علي خوجة كنز الجزائر من القصبة السفلى إلى العليا على ظهور 400 بغل، في مشهد يتجاوز الخيال ليتحوّل إلى أسطورة سياسية واقتصادية في آن واحد. وفي مشهد آخر، يُصوّر موكب حراسته الذي يضم 200 جندي، ما يعكس حجم السلطة والخوف الذي كان يحيط به.لكن الرواية لا تكتفي بتصوير السلطة كقوة مادية، بل تتعامل معها كعالم نفسي، حيث تتحول العزلة إلى جنون، والجنون إلى رؤية، وحيث يصبح “اللوكو” رمزًا للحاكم الذي رأى أبعد مما رآه معاصروه، فاتهموه بالجنون لأنهم لم يفهموا منطقه المختلف.من الناحية الفنية، يُبرز العمل نضج الكاتب في التعامل مع اللغة السردية. فعباراته تنساب بين الحوار والوصف بانسجام موسيقي، يعيد إلى الأذهان روائح التاريخ وصوت المدافع وملمس الجدران القديمة في القصبة.ويزرع رفيق في النص تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تشكل نسيج الجزائر العثمانية: الباعة، الحرفيون، البحارة، الجواري، والجنود. كلهم يتحركون ككائنات حية داخل اللوحة الكبرى التي يرسمها الكاتب.كما لا تخلو الرواية من بعد فلسفي يتأمل معنى السلطة والزمن، ويطرح سؤالًا عميقًا: هل الجنون في السياسة خطأ أم عبقرية غير مفهومة؟ وهل كان علي خوجة مجنونًا حقًا، أم كان أول من تجرأ على الحلم بدولة جزائرية السيادة؟موهوب رفيق، الذي سبق أن أصدر رواية “منام ميت”، يواصل عبر “اللوكو” مشروعه الأدبي في استعادة الذاكرة العثمانية للجزائر دون تطرف أو انحياز، مقدمًا رؤية متوازنة تُنصف التاريخ من منظور جزائري خالص. فهو لا يقدّم الأتراك كغزاة، ولا كملائكة، بل كجزء من حكاية معقدة صنعت ملامح الأمة.وفي النهاية، تخرج “اللوكو” من إطار الرواية التاريخية إلى فضاء الفن الواسع، لتصبح مرآة لزمنٍ يعيد طرح أسئلته القديمة بلغة الحاضر. إنها ليست فقط رواية عن حاكم “مجنون”، بل عن وطنٍ عاش جنون التاريخ ونهض منه ليكتب فصوله من جديد.

زيارة مصدر الخبر