اليوم السابع, مقالات 28 يناير، 2026

قالت صحيفة واشنطن بوست إن تراجع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المفاجئ عن مطالبه بأن تحصل الولايات المتحدة على جرينلاند، والذى هدد فيه بفرض رسوم جمركية عقابية وربما استخدام القوة العسكرية، قد أثبت أنه لا يزال هناك قيود قادرة على احتواء نزواته الجامحة.

ما السبب وراء تراجع ترامب فى قضية جرينلاند؟

وذكرت الصحيفة أن هناك عدة عوامل تضافرت فى تحقيق ذلك، منها جبهة معارضة موحدة من حلفاء أمريكا عبر الأطلسي، ورفض الأسواق المالية لاحتمال نشوب حرب تجارية، وقلة حماس الجمهوريين في الكونجرس الذين عادةً ما يوافقون على الشروط. فعلى سبيل المثال، قلل رئيس مجلس النواب الجمهورى مايك جونسون من شأن الحديث عن عمل عسكري باعتباره استراتيجية تفاوضية من جانب الرئيس، تهدف إلى تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند.

فبعد ساعات فقط من إلقاء ترامب خطابًا ناريًا استمر ساعة كاملة يوم الأربعاء في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، والذي أكد فيه مجددًا هدفه المتمثل في «لحصول على جرينلاند، بما في ذلك الحق والملكية»، تراجع الرئيس عن حافة الهاوية، وأعلن عن «إطار عمل لاتفاق مستقبلي» بعد اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.

لكن هذا الإطار، الذي لا يزال قيد التفاوض، لا يتضمن استيلاء الولايات المتحدة على الجزيرة القطبية، التي تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع الدنمارك. كما لم يتضح إذا كان ذلك سيمنح الولايات المتحدة أي شيء لم يكن متاحًا بالفعل، أو شبه متاح، من خلال إعادة التفاوض على اتفاقيات سابقة تعود إلى ثلاثة أرباع قرن.

خطاب رئيس وزراء كندا يكشف حجم الضرر

وتقول واشنطن بوست إنه على الرغم من أن الأزمة المباشرة تبدو وكأنها قد انقضت، إلا أنه لا يزال من غير الواضح حجم الضرر الدائم الذي ألحقته، لا سيما ما يتعلق بنظرة أعضاء الناتو الآخرين إلى الولايات المتحدة وثقتهم بها. وبينما كان ترامب يُصعّد من تهديداته، ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا في دافوس أعلن فيه: «نحن في خضمّ تحول، لا مرحلة انتقالية».

وقال كارني: «يبدو أننا نتذكر كل يوم أننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وأن النظام القائم على القواعد يتلاشى، وأن الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله». وأضاف: «أمام هذا المنطق، ثمة ميل قوي لدى الدول إلى مجاراة الوضع، والتكيف معه، وتجنب المشاكل، على أمل أن يضمن الامتثال الأمن. لكن هذا لن يحدث».

ورغم أن كارنى لم يذكر ترامب صراحةً، إلا أن أحداً لم يغفل عن المقصود بحديثه. وقد مثّل ذلك خروجاً عن النهج الذي اتبعه حلفاء الناتو، بنجاحٍ نسبي، خلال معظم السنة الأولى من ولاية ترامب الثانية، والذي يقوم على استمالته بالمديح والهدايا.

وفى يونيو الماضى، ذهب سكرتير حلف الناتو، إلى حدّ وصف ترامب بـ«أبي»، وهو وصف ربما كان ساخرًا، لكنه أسعد الرئيس.

إلا أن فوائد إغداق المديح على ترامب على المدى البعيد لها حدود. فقد أدرك الأوروبيون، بل وأعادوا إدراك، أن الرئيس متقلب المزاج – متوقعًا لكن غير متوقع، كما تجلى ذلك بوضوح في موقفه من جرينلاند.

وقد زادت هذه الصفة من صعوبة مهمة الحلفاء الأوروبيين في تحديد موقفه، إذ تذبذب في مدى استعداده لدعم أوكرانيا ضد روسيا.

يرى البعض أن الجانب المشرق الوحيد وسط أجواء الأسبوع الماضي العصيبة هو إجبار أوروبا على الاضطلاع بدور أكبر في ضمان أمنها، بدلاً من الاعتماد على افتراض أن الولايات المتحدة ستكون دائماً ضامنها الدائم. وتشير واشنطن بوست إن هذا الأمر كان هدفاً في علاقة ترامب المتوترة في كثير من الأحيان مع حلف الناتو، حيث نجح في حثّ دول الحلف على زيادة إنفاقها على الدفاع.

يقول ماكس بيرجمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «على مدى ثمانين عاماً، كانت الولايات المتحدة هي المتحكمة في أوروبا. نحن من يقرر». ويضيف أن هذا الوضع لن يبقى كذلك بعد الآن.

لكن بيرجمان أشار إلى أن أمام الولايات المتحدة سؤالاً آخر: «كيف يمكن استعادة القيادة الأمريكية والثقة بعد هذه الأزمة؟».

 

زيارة مصدر الخبر