بين ليلة وضحاها، يظهر على منصات التواصل الاجتماعى ترند غذائى جديد يحمل أسماء مثل «كيتو»، و«الصيام المطول»، و«رجيم فصيلة الدم»، و«نظام اللقيمات»، وقائمة طويلة من الأنظمة التى تعِد بنتائج سريعة ومذهلة فى وقت قصير. ورغم الصور المبهرة وقصص التحول المعجزة التى يشاركها المؤثرون على الإنترنت من وراء تلك الأنماط الغذائية، تختبئ وراء هذه الأنظمة مخاطر صحية ونفسية جسيمة. وفى هذا التحقيق، تستعرض «الدستور» أبعاد ظاهرة «الفاشون دايت»، وكيف تحول السعى نحو الرشاقة إلى «اضطراب سلوكى جماعى» يهدد أجهزة الجسم وعلاقة الإنسان بذاته؟، وذلك من خلال استعراض آراء الخبراء والمتخصصين فى المجالات ذات الشأن. محمد حلمى: السوشيال ميديا تشوّه مفهوم «الجسم الصحى» وتربطه بالنحافة فقطقال الدكتور محمد حلمى، استشارى التغذية العلاجية رئيس الجمعية المصرية الدولية للتغذية والسمنة «Esino»، إن «الفاشون دايت» انعكاس لخلل فى الوعى الصحى الجمعى.وأضاف أن انتشار ترندات «الدايت» يرتبط بشكل مباشر بتزايد اضطرابات الأكل، إذ إن معظم هذه الأنظمة تعتمد على الحرمان وعدم التوازن الغذائى، ما ينعكس لاحقًا على سلوك الفرد تجاه الطعام.وبيّن أن فقدان الوزن السريع الناتج عن الأنظمة القاسية لا يكون مستدامًا، وغالبًا ما يعقبه انتكاس أشد، حيث يستعيد الشخص وزنًا أكبر مما فقده خلال فترة زمنية أقصر، إلى جانب ظهور نوبات الأكل القهرى والشعور بالذنب وفقدان السيطرة، وهى مؤشرات واضحة لاضطرابات الأكل.ورأى أن السوشيال ميديا لعبت دورًا محوريًا فى تشويه نظرة الفرد إلى جسده، من خلال الترويج المستمر لنماذج جسدية مثالية وغير واقعية، معتبرًا أن معظم الصور المتداولة لمؤثرين وبلوجرز تخضع للفلاتر أو لعمليات تجميل ونحت قوام، ما يخلق لدى المتلقى تصورًا زائفًا عن «الجسم الطبيعى»، ويؤدى إلى انخفاض تقدير الذات وربط القبول الاجتماعى والنفسى بالنحافة فقط، وليس بالصحة أو التوازن الجسدى.وأرجع «حلمى» انجذاب الناس إلى الأنظمة القاسية إلى سبب جوهرى يتمثل فى عدم اعتبار السمنة مرضًا حقيقيًا، بل مجرد مشكلة شكلية مؤقتة، مبينًا أن الكثيرين يتعاملون معها بمنطق «الإنهاء السريع»، معتقدين أن فقدان عدد من الكيلوجرامات يعنى انتهاء المشكلة.ورأى أن السمنة فى حقيقتها مرض التهابى مزمن يحتاج إلى متابعة طويلة المدى؛ لأنه بالتبعية سيسبب العديد من الأمراض لاحقًا، مشيرًا إلى مفارقة لافتة، وهى أن الشخص نفسه الذى يرفض الاعتماد على السوشيال ميديا فى علاج أمراض مثل السكرى أو القلب أو أثناء الحمل، لا يجد حرجًا فى اتباع نظام غذائى قاسٍ لمجرد أنه رائج أو مُجرب من شخص آخر.واعتبر أن ما يُعرف بـ«الفاشون دايت» يمكن تصنيفه كأحد أشكال الاضطراب السلوكى الجماعى، حيث يتبنى المجتمع بشكل مفاجئ أنظمة غذائية غير علمية، ويتداولها غير المتخصصين، مؤكدًا أن أى مرض صحى لا يمكن التعامل معه بهذه العشوائية، إلا أن التعامل مع السمنة فقد هذه القاعدة، ما يعكس خللًا واضحًا فى الوعى الصحى الجمعى.وحول الفئات الأكثر عرضة لهوس «الدايت»، أوضح أن صغار السن هم الأكثر تأثرًا بسبب الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعى، كما أن النساء أكثر عرضة للضغط النفسى المرتبط بشكل الجسد، إلا أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة عمرية أو اجتماعية معينة، إذ باتت تشمل مختلف المستويات التعليمية والثقافية، حتى بين أشخاص يتمتعون بوعى ومعرفة مرتفعة.وأشار إلى ملاحظة زيادة واضحة فى حالات اضطرابات الأكل داخل العيادات خلال السنوات الأخيرة، حيث يربط ذلك مباشرة بتصاعد الترندات الرقمية، موضحًا أن كثيرًا من المرضى يتبعون أنظمة غذائية قاسية دون إبلاغ الطبيب، بل يخفون هذه الممارسات، ولا يتم اكتشاف الأمر إلا بعد ظهور مضاعفات صحية أو نفسية واضحة.وشدد «حلمى» على أن الرسالة الأهم التى يجب أن تصل للناس قبل البدء فى أى نظام غذائى، أن السمنة مرض مزمن وليست عيبًا شكليًا، ومن ثمّ فإن التعامل معها يجب أن يتم من خلال طبيب تغذية متخصص، يقوم بتشخيص الحالة بدقة، وطلب الفحوصات اللازمة، ووضع خطة غذائية متوازنة، مع المتابعة خلال مراحل فقدان الوزن والتثبيت؛ لأن احتمالية الانتكاس تظل قائمة طوال الوقت.كما أكد أن السوشيال ميديا أعادت صياغة مفهوم «الجسم الصحى»؛ ليصبح مرادفًا للنحافة فقط، وهو مفهوم خاطئ تمامًا، لأن لكل جسم وزنه الصحى المناسب وفقًا لمكونات الجسم من دهون وعضلات ومياه، إلى جانب توازن المعادن والفيتامينات، وهذا التشويه فى المفهوم يمثل خطرًا، خاصة على المراهقين، ويدفعهم إلى ممارسات غذائية غير آمنة فى مرحلة حساسة من النمو الجسدى والنفسى.وحذّر من أن الأنظمة الغذائية الرائجة تمثل بوابة رئيسية لاضطرابات الأكل الخطيرة مثل البوليميا والأنوريكسيا نيرفوزا، حيث يقود الحرمان الشديد، والسلوكيات الغذائية القهرية، والقىء المصطنع، إلى أضرار صحية ونفسية بالغة قد تصل فى بعض الحالات إلى تهديد الحياة.محمد الوصيفى: عدوى نفسية رقمية تستهدف الفئات «الأكثر هشاشة»أشار الدكتور محمد الوصيفى، أستاذ الطب النفسى بجامعة المنصورة، إلى إن ظاهرة «الفاشون دايت» يمكن اعتبارها عدوى نفسية رقمية تضرب الفئات الأكثر هشاشة؛ إذ تعتمد الترندات على فقدان الوزن السريع دون أى أساس طبى أو نفسى سليم، وتفرض على الفرد سلوكيات غذائية غير صحية مثل التجويع والحرمان أو نوبات الأكل القهرى، ما يؤدى إلى زيادة خطر الإصابة باضطرابات الأكل، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من هشاشة نفسية أو اضطرابات قلق واكتئاب سابقة.وأشار إلى أن «السوشيال ميديا» ترسم نموذجًا موحدًا للجمال يعتمد على النحافة الشديدة والجسد المثالى، مضيفًا: «على الرغم من أن كثيرًا من هذه الصور معدلة أو مفلترة، فإن العقل البشرى يتعامل معها باعتبارها واقعًا قابلًا للمقارنة، ما يؤدى إلى شعور دائم بعدم الرضا عن الجسد وانخفاض تقدير الذات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، بالإضافة إلى تبنّى سلوكيات دايت قهرية».ووصف «الفاشون دايت» بأحد أشكال الاضطراب السلوكى الجماعى، حيث تنتشر أنماط غذائية معينة عبر التقليد والخوف من فوات الترند، لا بناءً على حاجة طبية أو دليل علمى، وهو ما يُشبه عدوى نفسية رقمية تنتقل بين الأفراد دون وعى حقيقى بعواقبها، مشيرًا إلى أن تأثير هذه العدوى الرقمية يصل إلى مستوى المجتمع ككل، فالأصدقاء والعائلة وحتى زملاء العمل قد يصبحون ناقلين إلى هذه العادات، ما يجعل السيطرة على هذه الظاهرة أكثر صعوبة ويزيد من انتشار السلوكيات الضارة.وأوضح «الوصيفى» أن الفئات الأكثر تأثرًا بـ«الفاشون دايت» المراهقون والشباب، يليهم النساء بنسبة أعلى من الرجال، إضافة إلى الأشخاص الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات صورة الجسد وأصحاب الشخصية الكمالية، وكذلك من تعرضوا سابقًا للتنمّر أو الرفض الاجتماعى، وهذه الفئات تكون أكثر قابلية للتأثر بالرسائل الضاغطة المرتبطة بالمظهر والوزن.وأكد أن العيادات النفسية تشير إلى زيادة واضحة فى حالات اضطرابات الأكل المرتبطة بالترندات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، حيث تظهر الأعراض فى سن مبكرة وتتحول الحالات البسيطة بسرعة إلى اضطرابات كاملة، والأخطر أن بعض المرضى يأتون مقتنعين تمامًا بأن ما يمارسونه ليس اضطرابًا، بل نمط حياة صحى، ما يصعّب عملية التدخل العلاجى.وأوضح أن الصحة النفسية لا تبدأ من الميزان، بل من علاقة الإنسان بنفسه وجسده، وأن أى محاولة لتحسين الشكل دون مراعاة هذه العلاقة قد تنتهى بثمن نفسى وصحى باهظ، مشددًا على أن أى نظام غذائى يجب أن يكون له سبب طبى واضح ومناسب لطبيعة الجسم والحالة النفسية ويتم تحت إشراف متخصصين، لأن الجسد ليس مجالًا للتجارب أو الاستجابات العشوائية للترندات.واختتم «الوصيفى»: «يمثل (الفاشون دايت) تحذيرًا واضحًا من مخاطر الانصياع لموجة ترندات الوزن السريع دون وعى، إذ يمكن أن يؤدى إلى اضطرابات جسدية ونفسية خطيرة»، مشددًا على ضرورة استشارة المتخصصين، والتأكد من أن أى محاولة لفقدان الوزن هى تحمى الجسم والعقل معًا، لا أن تحولهما إلى فخ صحى ونفسى يصعب الخروج منه.محمد عز العرب: لكل جسم هرمه الغذائى.. ومحاولات التخسيس العشوائية قد تؤدى لكوارثأوضح الدكتور محمد عز العرب، أستاذ الكبد مؤسس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومى للكبد، المستشار الطبى للجمعية المصرية للحق فى الدواء، أن التعامل العشوائى مع الوزن قد يؤدى إلى كوارث عضوية.وأضاف: «ليس هناك سبب واحد للسمنة؛ فهى تحدث نتيجة عوامل متعددة، تبدأ من العادات الغذائية الخاطئة، وقد تمتد إلى اضطرابات هرمونية أو أمراض مزمنة أو آثار جانبية لأدوية طويلة المدى».وتابع: «بعض حالات السمنة قد تتحسن مع تعديل نمط الأكل، لكن ذلك يجب أن يكون بمساعدة متخصصين وبعد تقييم طبى شامل؛ ففى حالات أخرى تكون السمنة ناتجة عن خلل فى الغدد الصماء مثل قصور الغدة الدرقية، وفى هذه الحالة أى نظام غذائى قاسٍ قد يسبب ضررًا مباشرًا إذا لم يُعالج السبب الرئيسى أولًا».وأوضح: «كما أن بعض الأدوية المزمنة، مثل أدوية الاكتئاب أو تنظيم ضربات القلب أو التشنجات العصبية، قد تؤدى مع الوقت إلى زيادة الوزن وتدهّن الكبد، بينما قلة النشاط البدنى المصحوبة بعادات غذائية سيئة تمثل سببًا شائعًا للسمنة، إلا أن تحديد السبب يظل الخطوة الأهم قبل البدء بأى نظام غذائى».وأشار إلى أن بعض الأشخاص يظنون أن اتباع رجيم قاسٍ سيحسن حالة دهون الكبد، وهو اعتقاد خاطئ، إذ إن الأنظمة القاسية قد تؤدى إلى زيادة تدهّن الكبد بدلًا من علاجه، كما أنها تسبب اضطرابًا فى الهرمونات المنظمة للشبع والجوع، وبالتالى تصبح عملية فقدان الوزن ضارة أكثر مما تنفع، مؤكدًا أن فقدان الوزن الصحى يجب أن يكون تدريجيًا، بمعدل يتراوح بين كيلوجرام وكيلوجرامين أسبوعيًا، أما فقدان الوزن بشكل أسرع من ذلك فيحمل مخاطر عديدة، أبرزها زيادة تدهّن الكبد واضطراب التمثيل الغذائى.وحذّر «عز العرب» من أنظمة الريجيم التى تعتمد على منع الكربوهيدرات أو الدخول فى صيام طويل للغاية، إذ يلجأ الجسم إلى تكسير البروتينات والدهون لإنتاج الطاقة، ما يؤدى إلى تكوّن الأحماض الكيتونية وارتفاع حموضة الدم، وهى حالة يمكن أن تهدد الحياة.وقال: «هناك فرق بين الصيام المتقطع المنضبط طبيًا وتحت إشراف متخصص، والصيام العشوائى الممتد لأيام متتالية، وهو ظاهرة غريبة انتشرت مؤخرًا وتحمل مخاطر كبيرة مثل ضمور العضلات، واضطراب كيمياء الجسم، وخلل وظائف الأعضاء الحيوية».وأكد أن الأطباء لا يعارضون فقدان الوزن، بل على العكس يشجعونه للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية وتدهّن الكبد ومشكلات المفاصل وخشونة الركبة، لكن الفارق الجوهرى يكمن فى أن يكون فقدان الوزن مبنيًا على أسس علمية، ومناسبًا لكل مريض على حدة.وشدد على ضرورة إجراء كشف طبى شامل قبل أى محاولة للتخسيس، يشمل معرفة التاريخ الدوائى والحالة الهرمونية وإجراء تحاليل الدم اللازمة، إذ إن هناك حالات مثل متلازمة كوشينج أو فرط نشاط بعض الغدد تؤدى إلى زيادة الوزن مهما حاول المريض الالتزام بالدايت، وقد تصاحبها مضاعفات خطيرة مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات أخرى، ما يجعل التشخيص المبكر أمرًا بالغ الأهمية.ورأى أن التعامل مع السمنة يجب أن يكون بعيدًا عن عشوائية السوشيال ميديا، ومن خلال متخصصين حقيقيين، محذرًا من انتشار مراكز التخسيس غير المؤهلة التى يديرها غير متخصصين.وشدد «عز العرب» على أهمية رفع الوعى الصحى لدى المواطنين، قائلًا: «نمط غذاء حوض البحر المتوسط يُعد من أفضل الأنماط الغذائية المتوازنة؛ إذ يجمع بين فقدان الوزن والحفاظ على صحة الجسم على المدى الطويل».وذكر أن لكل شخص هرمه الغذائى الخاص، ولا يمكن تعميم نظام غذائى واحد على الجميع، لأن العمر، والحالة الصحية، والتاريخ المرضى، والعوامل الوراثية، كلها عناصر تحكم شكل النظام الغذائى المناسب، وهذه هى الفجوة الخطيرة التى تصنعها السوشيال ميديا حين تروّج لوصفة واحدة باعتبارها حلًا للجميع.
جريدة الدستور, مقالات
5 فبراير، 2026