مصراوي, مقالات 6 فبراير، 2026

عبر حكايات مثيرة للدهشة، وأرشيف نادر من الذكريات داخل عالم مستشفى الأمراض العقلية في أربعينيات القرن الماضي، نطالع في كتاب الباحث النابه أيمن عثمان «عنبر رقم 10: سيرة اجتماعية لنزيل في مستشفى المجاذيب» (دار دوِّن، 2026) مادة خصبة حول ملف شائك هو نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية في مصر.
الشاهد أن أخبار مستشفيات الأمراض العقلية، والنزلاء الذين اصطلح على تسميتهم شعبيًا وصحفيًا بـ«المجاذيب» أو «المجانين»، كانت مادة شائقة وجاذبة لقراء القرن العشرين؛ إذ مثلت تلك الحكايات نافذة مثيرة على عالم غامض، ومسرحًا تتقاطع فيه المخاوف الشعبية مع فضول الصحافة ورغبتها في الإثارة والفكاهة. بدت هذه الأخبار من جهة نافذة ضيقة يطل منها من خمدت أصواتهم وتوارت معاناتهم بعيدًا عن العلن، ومن جهة أخرى وسيلة تمنح «العقلاء» شعورًا بالطمأنينة، ما دامت أسوار المستشفى عالية، وقضبان النوافذ والأبواب تحتجز خلفها أولئك الذين يخشون وجودهم بينهم.
ويمكن تخيل وقع خبر صغير تسلل إلى صفحات مجلة «التحرير» واسعة الانتشار في التاسع من أكتوبر عام 1956، قبل أيام من اندلاع العدوان الثلاثي، وجاء تحت عنوان صادم يفضح حجم الفوضى والإهمال المتوارث: «عقلاء في مستشفيات الجنون بسبب قلة الأطباء». لم يكن أحد ليتخيل أن خطأ إداريًا أو طبيًا يمكن أن يبلغ هذا الحد، إلى أن اكتشف بعض أطباء الهيئة الصحية العقلية التابعة للأمم المتحدة، خلال زيارتهم لمستشفيات الأمراض العقلية في مصر، أن عددًا من النزلاء لا يعانون أي اضطراب عقلي حقيقي، بل مجرد عُقد نفسية بسيطة كان يمكن علاجها خارج أسوار المصحات، غير أن انعكاساتها السلوكية خُلِطت خطأ بالجنون.
تحرَّكت وزارة الصحة المصرية، وأجرت فحصًا طبيًا شاملًا أكد صحة ما توصل إليه أطباء الأمم المتحدة، وتبيَّن أن السبب الجوهري وراء هذه الكارثة الإنسانية هو النقص الحاد في عدد الأطباء، ففي مستشفى الخانكة وحده، كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف مريض يُشرف عليهم 19 طبيبًا فقط، أي أن كل طبيب كان مسؤولًا عما يزيد على 150 مريضًا، وهو رقم يستحيل معه إجراء تقييم دقيق أو متابعة حقيقية.
بناء على ذلك، تقرر إعادة الكشف الطبي على جميع النزلاء، حتى لا يُحتجز إنسان سليم العقل خلف جدران مستشفى لا يحتاج إليه، ولا يُترك مريض حقيقي دون رعاية مناسبة.
الحقيقة المفزعة دقت ناقوس الخطر، خصوصًا أنها لم تكن الصدمة الأولى من نوعها. ففي مجلة «مسامرات الجيب» في عددها الصادر في 18 سبتمبر 1950، ورد نصًا أن «نزلاء العباسية والخانكة يزيدون على ستة آلاف مريض، وأن عدد الأطباء الذين يباشرون علاجهم لا يزيد على خمسة عشر طبيبًا».
كما ذكرت مجلة «آخر ساعة» في 20 يونيو 1951: «أما الشيء الذي لا يتصوره عقل فهو أن الستة آلاف مريض يشرف على علاجهم خمسة عشر طبيبًا.. بواقع طبيب واحد لكل أربعمئة مريض».
جاءت مجلة «التحرير» في الثالث من نوفمبر 1954 لتؤكد الصورة ذاتها؛ إذ أشارت إلى أن عدد نزلاء مستشفى الخانكة وحدها بلغ 3143 مريضًا، يشرف على علاجهم 11 طبيبًا فقط، أي بمعدل طبيب واحد لكل 260 مريضًا، وذلك في وقت يؤكد فيه العلم أن مرضى الأعصاب والعقول يحتاجون، قبل كل شيء، إلى الحنان والرعاية والدراسة الدقيقة.
المثير للانتباه أن مجلة «المصور» كانت قد سبقت تحقيق مجلة «التحرير» باثني عشر عامًا كاملة بهذا الانفراد، ففي الخامس والعشرين من أغسطس 1944 نشرت تحقيقًا صغيرًا لكنه بالغ الدلالة، حمل عنوانًا مباشرًا وصادمًا: «هل في مستشفى المجاذيب عقلاء؟» عنوان لو أُصغي إليه في حينه، لربما تغيَّر مسار المأساة التي تكشفت لاحقًا.
يشير التحقيق إلى أن أبًا استغل نفوذه، إثر خلاف عائلي عابر مع ابنه، لإقناع المختصين بأن ابنه «مجنون»، ليُرحَّل الشاب إلى مستشفى الأمراض العقلية، ويبقى هناك أشهرًا طويلة، قبل الإفراج عنه. أشار التحقيق إلى حوادث أخرى مماثلة، للإشارة إلى أن البعض يتظاهر بالجنون للإفلات من العقاب، في حين يُحتجز آخرون ظلمًا بسبب خلافات عائلية، أو طمعًا في أموالهم، أو رضوخًا لضغوط البوليس السري (ص 14).
وفي كتابه المثير للاهتمام، يُقدِّم الباحث أيمن عثمان رحلة إنسانية كاشفة، تستند إلى أرشيف نادر، ترصد حقبة مضطربة تمايلت فيها المصائر، وتداخلت الحكايات بين منطق العقل ووصمة الجنون.
وعبر صفحات كتابه البالغ عددها 220 صفحة من القطع المتوسط، نخوض هذه المغامرة الموثقة بالبيانات والصور، لندرك حقيقة ما جرى داخل مستشفى الأمراض العقلية، وهي معلومات ووقائع شكَّلت مادة ثرية للقراء والباحثين، مع ما رواه د. علي عبد السلام في ذكرياته عن الأعوام العشرة التي أمضاها نزيلًا داخل العنبر رقم 10 بين عامي 1942 و1952. يُذكر أنه بعد عامين من نشر د. علي لذكرياته في المجلات المصرية، إلى جانب أطروحاته القانونية حول قانون حجز ذوي الأمراض العقلية، فاجأتنا مجلة «المصور» في أوائل عام 1954 بنشر ذكريات د. محمد كامل الخولي، مدير الصحة العقلية، تحت عنوان «40 عامًا في حراسة أصحاب العقول».
يرصد أيمن عثمان في كتابه الثري معلومات وتفاصيل بالغة الأهمية عما يُسمى سجل عرائض المخبولين، وسبب تشكيله، ويدفعنا إلى التساؤل عن السبب الذي قاد طبيبًا مرموقًا إلى عنبر المجاذيب لمدة عشر سنوات كاملة. كما يثير المؤلف أسئلة منطقية: كيف يمكن لرسالة مكتوبة واحدة أن تُدخل صاحبها مستشفى المجاذيب؟ وكيف عاش طبيب سنوات من عمره بين نزلاء عنبر رقم 10 وهو يتأرجح يوميًا بين ضحك العبث وقسوة المأساة؟ والسؤال الأهم: من المجنون ومن العاقل؟

زيارة مصدر الخبر