جريدة الدستور, مقالات 8 فبراير، 2026

أعاد مقترح النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، بشأن التبرع بالجلد والأنسجة البشرية وإنشاء بنك وطني للأنسجة، فتح ملف التبرع بالأعضاء وزرع الأنسجة في مصر إلى دائرة النقاش المجتمعي من جديد، في ظل معاناة آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصة لإنقاذ حياتهم، وبين واقع تشريعي قائم وتحديات تنفيذية ما زالت حاضرة بقوة. وجاءت الدعوة لإعادة مناقشة هذا الملف تحت شعار “من أجل الحق في الحياة”، في وقت يمر فيه نحو ستة عشر عامًا على صدور قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية، وخمسة عشر عامًا على صدور لائحته التنفيذية، دون اكتمال منظومة متكاملة لبنوك الأعضاء والأنسجة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى فاعلية التطبيق على أرض الواقع. 

قانون ينظم العملية ويغلق أبواب الاستغلال

وضع قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية إطارًا قانونيًا واضحًا لعمليات نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة من جسد إنسان إلى آخر، سواء كان المتبرع حيًا أو متوفى، بهدف حماية كرامة الإنسان ومنع أي صورة من صور الاتجار أو الاستغلال، مع التأكيد على أن التبرع يجب أن يتم وفق ضوابط صارمة وتحت إشراف طبي وقانوني كامل. وأكد القانون أن إجراء أي عملية زرع لا يجوز إلا في حالات الضرورة القصوى، وبما يحافظ على حياة المتلقي أو يعالج مرضًا جسيمًا، على ألا يترتب على النقل أي خطر جسيم على حياة المتبرع أو صحته، وأن يكون ذلك هو الخيار الطبي الوحيد المتاح. 

ضوابط تمنع اختلاط الأنساب وتضبط العلاقة بين الجنسيات

شدد المشرّع على حظر زرع الأعضاء أو الأنسجة أو الخلايا التناسلية إذا كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى اختلاط الأنساب، كما وضع قيودًا واضحة على عمليات الزرع بين المصريين والأجانب، حيث لا يُسمح بالزرع من مصري إلى أجنبي إلا في حالات استثنائية محددة، أبرزها الزواج الموثق الذي مر عليه ثلاث سنوات على الأقل. وفي المقابل، أجاز القانون الزرع بين الأبناء من أم مصرية وأب أجنبي، وكذلك بين الأجانب من جنسية واحدة، بشرط وجود طلب رسمي من الدولة التي ينتمي إليها المتبرع والمتلقي، وبما يضمن خضوع العملية لإشراف رسمي كامل. 

التبرع بين الأقارب أساس.. والاستثناء بضوابط

اعتمد القانون مبدأ التبرع بين الأقارب من المصريين كأصل عام، باعتباره الأكثر أمانًا من الناحية الطبية والأخلاقية، لكنه فتح الباب للتبرع بين غير الأقارب في الحالات الحرجة والعاجلة التي تتطلب تدخلًا سريعًا لإنقاذ حياة المريض، على أن يتم ذلك بعد موافقة لجنة طبية مختصة تُشكل بقرار من وزير الصحة، ووفق ضوابط دقيقة تحددها اللائحة التنفيذية.كما أكد القانون أن التبرع لا يكون صحيحًا إلا إذا صدر عن إرادة حرة خالية من أي إكراه أو ضغط، وأن يكون ثابتًا بالكتابة وفق الإجراءات القانونية المعتمدة. 

حماية خاصة للأطفال وعديمي الأهلية

أولى القانون اهتمامًا خاصًا بحماية الأطفال وعديمي الأهلية وناقضيها، حيث حظر التبرع بالأعضاء أو الأنسجة من هذه الفئات بشكل قاطع، وعدم الاعتداد بموافقة أولياء الأمور أو الأوصياء في هذا الشأن، باستثناء حالات نقل الخلايا الجذعية في نطاق ضيق ولأغراض علاجية محددة، وبشروط صارمة وموافقات مكتوبة.ويهدف هذا التوجه إلى منع أي استغلال محتمل لتلك الفئات، وضمان أن تتم جميع العمليات في إطار إنساني وأخلاقي واضح. 

حظر كامل للاتجار بالأعضاء

قطع القانون الطريق أمام أي تعامل تجاري في الأعضاء البشرية أو الأنسجة، حيث حظر البيع أو الشراء أو الحصول على أي مقابل مادي أو عيني نظير التبرع، سواء للمتبرع نفسه أو لورثته، مؤكدًا أن أي مخالفة لذلك تُعد جريمة يعاقب عليها القانون. كما ألزم الأطباء بعدم الشروع في إجراء أي عملية زرع حال علمهم بوجود مخالفة لأحكام القانون، حفاظًا على نزاهة المهنة وحمايةً لحقوق جميع الأطراف.  

التبرع بعد الوفاة.. حق إنساني بضوابط

سمح القانون بنقل وزراعة الأعضاء والأنسجة من جسد إنسان متوفى، إذا اقتضت الضرورة الحفاظ على حياة إنسان حي أو علاجه من مرض جسيم، وذلك بشرط وجود وصية موثقة من المتوفى قبل وفاته، أو إقرار رسمي مثبت وفقًا للإجراءات المحددة في اللائحة التنفيذية، وأن يتم التبرع بين المصريين فقط.ويمثل هذا البند أحد المحاور الأساسية في النقاش الدائر حاليًا، خاصة مع المطالبات بتفعيل آليات واضحة للتبرع بعد الوفاة وإنشاء بنوك وطنية للأنسجة. 

ملف مفتوح للنقاش والتطوير

يعكس الجدل المثار حول مقترح التبرع بالأنسجة وبنك الأنسجة الوطني حاجة ملحّة إلى إعادة تقييم منظومة زرع الأعضاء في مصر، ليس فقط على مستوى النصوص القانونية، ولكن على مستوى التطبيق العملي والبنية التحتية، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الإنسان وإنقاذ الأرواح. 

زيارة مصدر الخبر