يظل الذهب المصرى واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل فى الوعى العام، فبينما يراه علماء الآثار “دليلًا حيًّا على عبقرية المصرى القديم” وركنًا أصيلاً فى اقتصاد الدولة الفرعونية، تتردد فى المقابل روايات دينية وشعبية تتهم بنى إسرائيل بسرقة ذهب المصريين وقت الخروج من مصر، وتمتد الاتهامات إلى نهب آثار وكنوز سيناء فى فترات مختلفة من التاريخ القديم والحديث.
حسين عبد البصير: الذهب فى مصر القديمة مكوّن تأسيسى فى بنية الحضارة
ويؤكد الدكتور حسين عبدالبصير، عالم المصريات ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، أن الذهب فى مصر القديمة لم يكن مجرد معدن نفيس، بل «مكوّن تأسيسى فى بنية الحضارة»، ارتبط بفكرة الخلود والسلطة والشرعية، وكان ملكًا خالصًا للدولة والفرعون، يُخزَّن فى خزائن المعابد والقصور، ويستخدم فى تجهيز المقابر الملكية، وفى الهدايا الدبلوماسية بين مصر وباقى الممالك.
ويشير عبد البصير إلى أن استغلال مناجم الذهب فى الصحراء الشرقية ووادى العلاقى والنوبة كان يخضع لإدارة صارمة، وأن البرديات الإدارية والنقوش سجلت كميات الذهب المستخرجة بدقة، بما يعنى أن فقدان أية كميات كبيرة كان سيترك أثرًا فى الوثائق، «وهو ما لم يحدث»، على حد تعبيره، مؤكدًا أنه لا توجد حتى الآن وثيقة مصرية قديمة تشير إلى فقدان جماعى لذهب الدولة الفرعونية فى حدث واحد مفاجئ.
على الجانب الآخر، تستند رواية «سرقة ذهب المصريين» إلى ما يورده سفر الخروج فى التوراة عن أن نساء بنى إسرائيل طلبن من جاراتهن المصريات أوانى من الذهب والفضة وثيابًا قبل الخروج، وأن المصريين أعطوهن ما طلبن «فيسلبون المصريين»، بحسب النص.
عبد الرحيم ريحان: حقائق القرآن الكريم والتوراة تدعم حصول نساء بنى إسرائيل على ذهب المصريات
الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بوجه بحرى وسيناء سابقًا، يذهب أبعد من ذلك، إذ يؤكد – فى تصريحات صحفية متكررة – أن «حقائق القرآن الكريم والتوراة» تدعم حصول نساء بنى إسرائيل على ذهب المصريات والخروج به من مصر، ويربط بين هذه الرواية وبين ما يعتبره «حقًّا تاريخيًّا لمصر فى المطالبة بتعويضات ضخمة عن ذهبها وآثارها المسلوبة»، مشيرًا إلى أن وجود بنى إسرائيل فى مصر بدأ منذ دخول النبى يوسف عليه السلام فى زمن الهكسوس.
فى المقابل، يفرّق حسين عبد البصير بين النص الدينى بوصفه سردية لاهوتية وبين الدليل الأثرى القابل للتحقق، مؤكدًا أن قصة الخروج – فى صورتها المتداولة – لم تثبت حتى الآن بنقوش أو برديات مصرية معاصرة، وأن معظم علماء المصريات يتعاملون معها كنص دينى ذى رمزية، لا كوثيقة تاريخية مباشرة تثبت واقعة «نهب ذهب المصريين» كما يتردد فى الخطاب الشعبى.
فكرة «النهب» لا تتوقف عند زمن الخروج فى الذاكرة المصرية، بل تمتد إلى سيناء التى تحولت، بحكم موقعها الجغرافى، إلى ساحة صراع عسكرى وتاريخى، وإلى مسرح مفتوح للتعدين والتجارة ثم للاحتلال والحروب فى العصر الحديث.
الاحتلال الإسرائيلى لشبه الجزيرة شهد عمليات منظمة لسرقة آثار سيناء
الدكتور عبدالرحيم ريحان يربط بين ما يصفه بسرقة ذهب وآثار مصر عند الخروج، وبين ما جرى لاحقًا فى سيناء، مؤكدًا أن الاحتلال الإسرائيلى لشبه الجزيرة شهد عمليات منظمة لسرقة آثار سيناء، عبر حفريات غير شرعية فى عشرات المواقع الأثرية، بهدف الحصول على قطع لعرضها فى المتاحف أو الاتجار بها، مطالبًا بتعويضات تاريخية عن «سرقة آثار وذهب مصر وسيناء».
ولا يتوقف الحديث عند تقديرات الباحثين العرب، فقد نشرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية نفسها عام 2020 صورًا لوزير الدفاع الأسبق موشيه ديان، خلال نقله حقائب تضم قطعًا أثرية من موقع سرابيط الخادم الأثرى فى جنوب سيناء عام 1969، فى واقعة وصفها الصحفيون الإسرائيليون بأنها «سرقة آثار مصرية من سيناء» إبان الاحتلال.
كما توثق تقارير دولية ومحلية أن فترات الاضطراب والحرب عادةً ما تشهد أعلى معدلات نهب للآثار، وهو ما ينطبق على سيناء التى كانت مسرحًا للحروب والاحتلال فى 1956 و1967 و1973، قبل أن تستردها مصر كاملة فى الثمانينيات، مع اتفاق يعترف لمصر بملكية الآثار التى خرجت من سيناء ويُلزم إسرائيل بإعادتها، وهو ما تم بالفعل بشأن قطع جرى التنقيب عنها رسميًّا خلال فترة الاحتلال.
وما بين سردية دينية قديمة تتحدث عن خروج بنى إسرائيل بذهب المصريين، وبين وثائق معاصرة تؤكد نهبًا فعليًّا لآثار وموارد سيناء خلال فترات الاحتلال والحروب، يتشكل فى الوعى العام شعار واسع الانتشار: «اليهود سرقوا ذهب المصريين ونهبوا كنوز سيناء».
غير أن الخبراء الذين حاورهم «اليوم السابع» يلفتون إلى فارق جوهري: فى زمن الخروج نحن أمام نصوص دينية يختلف حولها المؤرخون بين القراءة الحرفية والرمزية، ولا تسندها حتى الآن أدلة مصرية قديمة مباشرة، بينما فى حالة سيناء الحديثة توجد صور ووثائق وتصريحات رسمية وشهادات صحفية، بل واتفاقيات دولية تستند إليها مطالبات مصر باسترداد آثارها وتعويضها عن ثرواتها المنهوبة.

عدد اليوم السابع