اليوم السابع, ثقافة 9 فبراير، 2026

كتاب “نيتشه فيلسوف الفرح والأمل” من تأليف الدكتور حسن يوسف طه، والمكوَّن من خمسة فصول معنونة بدقة وعناية بالغة فى كل فصل يزيح لنا الستار عن شخص هذا الفيلسوف، فيبدأ في الفصل الأول “نتشه الديناميت والمهانة والجنون” ثم ينتقل إلى “التفكير النقدي عند نتيشه” في الفصل الثاني، وفي الفصل الثالث يقدم الكتاب “جوهر الفلسفة عند نيتشه الفرح والمرح والأمل “، والرابع يستعرض “الفن عند نتيشه ” وفي الخامس والأخير يقدم الكتاب ” المرأة والحب عند نتشية”

نيتشه بين سوء الفهم والاختزال

يأخذنا فيها الكاتب للتعرف عن نيتشه من منظور أخر أعتقد أن من سيقرأ هذا الكتاب سيخرج بأفكار مغايرة وإيجابية بشكل كبير مع عبقرية هذا الفيلسوف والمفكر المختلف كليًا وضمنيًا، وكل هذا يحدث بانسيابية تامة دون إقحام أو حشر أفكار عنوة ودون تدخل أو اقتحام سافر، بل باحترام مقدس كمن يدخل فى محراب راهب عاش ومات ليكن ذاته لا غيرها.

يتخذ من الفصل الأول إيذانا بدخول عقل وفكر وأراء للفيلسوف نيتشه بحذر بالغ حتى تشعر أنك فى حضرة عمل “سيمفوني” مختلف ومبدع فى نفس ذات الوقت، فيُعد فريدريك نيتشه واحدًا من أكثر فلاسفة العصر الحديث تعرضًا لسوء الفهم والاختزال؛ فإما أن يُقدَّم بوصفه فيلسوف الجنون والعدمية، أو يُختزل في شعارات مبتورة عن القوة والتمرد، وبين هذين الطرفين الضيقين، يأتي كتاب “نيتشه فيلسوف الفرح والأمل” للدكتور حسن يوسف ليشغل موقعًا نقديًا مختلفًا، أكثر وعيًا وجرأة: موقع محامي الدفاع، لا دفاعًا عن شخص نيتشه بقدر ما هو دفاع عن مشروعه الفكري بوصفه مشروعًا إنسانيًا أُسيء تأويله.

لا يتعامل المؤلف مع نيتشه باعتباره فيلسوفًا إشكاليًا فحسب، بل باعتباره قضية فكرية ظلت حبيسة قراءات أخلاقية وتاريخية قاصرة، وكأن نيتشه في هذا الكتاب يقف داخل قفص الاتهام، محاصرًا بتهم جاهزة: الجنون، الكفر، العدمية، تمجيد القوة، العداء للأخلاق، غير أن الدكتور حسن يوسف لا يسعى إلى نفي هذه التهم نفيًا مباشرًا، بل يعمل على تفكيكها، وإعادة تركيبها داخل سياقها الفلسفي والوجودي، بحيث تتحول من أحكام قاطعة إلى أسئلة مفتوحة.

الفرح بوصفه موقفًا فلسفيًا لا حالة وجدانية

منذ الصفحات الأولى، يوضح المؤلف أن نيتشه لم يكن فيلسوف يأس أو هدم، بل فيلسوف حياة، وأن الفرح عنده ليس حالة وجدانية سطحية، بل موقف فلسفي بالغ العمق، فالفرح النيتشوي – كما يقدمه الكتاب – لا يعني الهروب من الألم، بل القدرة على احتماله، بل وتجاوزه، وتحويله إلى قوة خلاقة.

هذا الطرح يكشف عن تماهٍ فكري واضح بين المؤلف والفيلسوف؛ فالدفاع هنا نابع من إيمان بالفكرة، لا من حياد أكاديمي بارد، ويتضح ذلك جليًا من تبنّي فكرة إبعاد السيرة الذاتية لنيتشه، مع تقديم مقدمات على ذلك في كتاباته، التي سيتبين لنا لاحقًا أنها أصدق السير الذاتية لهذا الفيلسوف والمفكر والشاعر نيتشه، ويوضح ذلك من ص 15 إلى ص 68، حيث يكشف لنا الستار عن مكنون تلك الذات المعذبة والمغتربة دومًا، في زمن عاشه قبل زمنه، فكان كزهرة غُرست في غير أرضها أو مكانها.

المرض والجنون كشرطين للإبداع

فكانت النزعة إلى الصراخ الداخلي الدائم، لينتبه العالم له ولأفكاره، ولكن دون جدوى؛ فعومل كغريب الأطوار، أو بالجهل، أو كخارج عن تعاليم الدين، لذا اعتزله المجتمع، فعانى الأمرين: معاناة مجتمع جاهل، حدوديّ التفكير، ومعاناة المرض، ثم يربط ذلك كله بلحظات الإبداع، التي تلاصقها فكرة الجنون والخروج – ولو لحظات – إلى شطحات جنونية، ترسم ملامح كتاباته في لحظات استثنائية.

كما كان يقول في ص 65: “إن معنى الآلام الجسمانية الهائلة التي تعرضت لها ينحصر كله في أنها هي، وهي وحدها، التي انتشلتني من الفكرة الفاسدة، أي المتحركة كل الانحطاط، التي كانت لديّ عن رسالتي الحيوية. ولأني بطبيعتي من أشد الناس تواضعًا، فلا بد من أشد الوسائل عنفًا كي أعرف جوهري وأدرك ذاتي”.

وهنا يخبرنا أن من وصل إلى جوهر المرض هو أكثر الناس معرفة بالصحة؛ لأن المرء لا يمكن أن يحياها كاملة إلا إذا خابر تمام الطرفين.

وكما يشرح لنا المؤلف، الدكتور حسن يوسف، قصدية نيتشه في معايشة الاغتراب والجنون كصنوان معًا للإبداع، حين يقول في ص 74، 75: “كيف خلصت نفسي من هذا القرف؟ من الذي أعاد لي عينيّ تفوّتهما؟! كيف طرت إلى أعلى؟! حيث لا يجلس أي رعاع إلى النبع. أهو قرفي الذي صنع لي أجنحة وقدرة على استشعار الينابيع؟ لقد كرتُ في الحقيقة عاليًا حتى تمكنت من أن أجد نبع الفرح من جديد”.

وهكذا كان جنديًا مثابرًا، لا تهنأ روحه باستسلام بارد أو جبن، فكان فارسًا يأبى أن يترجل عن أفكاره وإيمانه بها، حتى لو أدى ذلك إلى حياة العزلة والوحدة والاغتراب، والذي مآله الجنون لا محالة.

فيأخذنا على أجنحته “السوبرمانية”، كما أعطاها الدكتور حسن هذا المصطلح العصري ليقرب لنا مضمون فلسفته وأفكاره، بتلك التيمات الإبداعية الزرادشتية، على حد قوله، إذ كان مؤمنًا بالأساطير، فهو تلميذ نجيب لديونيزوس؛ لأنه – على حد تعبيره – خلق منها المفهوم “الديونيسي” لمفهوم “الأعلى”.
في ص 80 إلى ص 85، وبفلسفة التغير والحركة ونبذ الثبات، يحدثنا عن ماهية الرقص، حيث تتمكن الذات من رؤية الأشياء بشكل مختلف ومن زوايا جديدة، وهو ما يكرهه رجال الدين؛ لأن رؤيتهم جامدة وثابتة، ولأن أي تغير يُعد خطرًا على مكانتهم وسلطتهم. والرقص هنا لا يأتي بالجسد فقط، بل بأي وسيط إبداعي، أيًّا كان.

سلط المؤلف الضوء بكل حيادية، مستخدمًا أدلة مقرونة بهوامش أكاديمية، ومقولات مأثورة من مفكرين وفلاسفة كُثُر لتعضيد الفكرة وإيصالها، فكان مع وضد نيتشه بقصد الحيادية، أو بمعنى: “هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم”.

فأظهر الصراع، والتحرر، والمرض، والجنون، وتحدي السلطة الدينية، والهواجس الداخلية، ومفهوم المقاومة بكل ما تعكسه تلك المرارة، وتلك الأنا العليا التي ابتُلي بها، فكانت هي السيف الذي قضى عليه برعونة ووحشية.

المؤلف شريكًا لا شارحًا

واحدة من أبرز سمات هذا الكتاب أن الدكتور حسن يوسف لا يقف في موقع الشارح التقليدي، بل يتقدم بوصفه شريكًا فكريًا، وهو اختيار نقدي واعٍ؛ إذ لا يمكن التعامل مع فلسفة نيتشه بوصفها مادة محايدة تُشرح من الخارج، ففلسفة نيتشه تجربة وجودية قبل أن تكون نسقًا مفاهيميًا، ومن لا يتورط فيها لا يستطيع نقلها حيّة إلى القارئ، وذلك يتضح جليا فى كما فى صـ 93.

من جماليات التفكير النقدي عند نتيشه

عندما تعرض الكاتب لجماليات لحظة التلقي فيما يقول فأنت قبل غير بعد وهذا ما نجح فى إيصاله لنا بالفعل من خلال صفحات هذا الكتاب الماتع، حيث طرح الأسئلة الوجودية  “ما التاريخ؟! كفكره استخدام التاريخ وإساءة استخدام”، وكذلك “ما الثقافة؟!” و”ما التربية؟!” كلها أسئلة تخلق بيئة جدلية صحية.

كما في ص 19، شارحًا فكر نيتشه الناقد من خلال آراء علماء ومفكرين، حينما قال إميل فاكيه عن نيتشه: إنه في طلب الحقيقة غير مبالٍ بالألعاب، فسبر غورها رغم العقبات، فاستمد من الضعف قوة، ومن المرض حقيقة الصحة. وبعدما رموه بالكفر والجنون، ما كان ذلك إلا تحطيمًا لأصنام وتابوهات مجتمعية ودينية عقيمة، حيث إن الإنسان أرقى من أن يمارس الشفقة أو أن تُمارس عليه؛ فهو يتميز بـ “إرادة القوة” و”إرادة الحياة”.

إنه علامة مميزة على إنكار الحداثة التي أدت إلى هلاك الإنسان، حيث تمثل العدمية الشكل الواضح للإنسان، إذ إن كل الحضارات الأوروبية تئن وتتآكل، ووصفها بانتظار الكارثة، وهو استشراف واعٍ لما وصلنا إليه حتى الألفية البائسة.

هنا يعزز قيمة الغرائز الإنسانية، كما يعزز قيمة الإرادة التي تحدث وتنظم تلك الغرائز، وهكذا أفرد لنا الكاتب، بوجهة نظر الشريك الأصيل، مدلولات جمالية عن أفكار نيتشه، مؤمنًا بتلك الأفكار، وناقلًا أمينًا لجماليات تلك العبقرية المزدانة بالكثير من العذابات الإنسانية.

كما عقد الكاتب مقارنة ما بين الفيلسوف سبينوزا، الذي سبقه بسنوات، مقارنة منصفة لفكر نيتشه، واقترانها بنفس ذات مفهوم سبينوزا، الذي مات منبوذًا من الكنيسة والمجتمع، فعانى ما عاناه نيتشه من العزلة والمرض والصراع الثقافي المجتمعي آنذاك.

فحين يتناول المؤلف مفهوم “إرادة القوة”، يرفض القراءة الشائعة التي تحوّل المفهوم إلى دعوة للتسلط أو الهيمنة، ويعيد تقديمه – كما يرد في الكتاب – باعتباره طاقة داخلية دافعة للحياة، وسعيًا نحو الامتلاء الإنساني وتحقيق الذات، لا نحو سحق الآخر، وبهذا المعنى، لا يدافع المؤلف عن نيتشه فحسب، بل يدافع عن الإنسان من اختزال فلسفي خطير، حوّل مفهومًا وجوديًا إلى تهمة أخلاقية.

الفرح بوصفه موقفًا مقاومًا

ومن ص 147 إلى ص 157: إن الفرح لا يأتي إلا من الداخل؛ فهو ذلك الإنسان الديونيسي المقبل على الحياة، القادر على الفرح بها، القادر أن يحكم كل ما هو قديم وبالٍ، إنه المتحرر من قيود الميتافيزيقا، وكل ما هو ديني، وما يعمل على إماتة الجسد الإنساني؛ فله أن يعيش الحياة بكل عنفوانها.

كما يعيد الكتاب الاعتبار لمفهوم الفرح بوصفه موقفًا فلسفيًا مقاومًا، لا حالة نفسية عابرة، فالفرح عند نيتشه لا يولد من السهولة أو الطمأنينة، بل من الصراع مع الحياة كما هي، يشير المؤلف إلى أن نيتشه قال “نعم” للحياة رغم قسوتها، لا بسبب غياب الألم عنها.

حيث يقول:
“إني أعرف أن أصلي…
مهم، لا أشبع، أتوهج، آكل نفسي،
نورًا يصبح ما أمسكه،
فحمًا ما أتركه،
حقًا إني لعب محترف”.

وكما وصف نفسه بالديناميت الذي يفجر كل ما هو ثابت وجامد في الفكر والحياة.

التفكيك وإعادة البناء: نيتشه مادة حيّة للفكر

لا يكتفي الدكتور حسن يوسف بإعادة تفسير أفكار نيتشه، بل يقدمه على مائدة الفكر بوصفه فيلسوفًا من نوع خاص؛ مادة حيّة، قابلة للتجدد، لا تُستنفد بالشرح أو التفسير الواحد، فنيتشه في هذا الكتاب ليس نصًا مغلقًا، بل مشروعًا مفتوحًا للتفكيك وإعادة البناء.

يعتمد المؤلف على ممارسة تفكيكية واعية، لا تهدف إلى الهدم، بل إلى تحرير المفاهيم من قوالبها الجامدة، ثم إعادة تركيبها في أفق أوسع، هذا التفكيك لا يعمل على مستوى العقل وحده، بل يسعى إلى إعمال العقل والروح معًا، في رؤية جدلية ترى الفلسفة تجربة معيشة، لا منظومة إلزامية أو وصاية فكرية.

حيث ذكر الكاتب أن أهمية نيتشه في مسيرة الفكر الغربي لا تقل أهمية عن أثر كيركجور نفسه في الفلسفة الوجودية، حيث يقول في ص 148: إن العقل المحض اختراع خطأ من اختراعات القرن الثامن عشر.

وفي ص 166 يقول: “إن الذي يجعل الحياة متجددة وشابة هو الرقص والمرح؛ إن التشاؤم سرطان الشيخوخة، التشاؤم هو السم القاتل لكل ما هو حي”.

الإبداع والجنون: تفكيك العلاقة السهلة

ينجح الكتاب في تفكيك العلاقة السهلة التي طالما ربطت الإبداع بالجنون ربطًا آليًا، يرفض المؤلف هذا اللصق الكسول الذي يحوّل التجارب الفكرية الكبرى إلى ظواهر مرضية، ففي هذه القراءة، لم يكن نيتشه مجنونًا يهلوس بالحياة، بل عقلًا بالغ الحساسية، رأى ما لم يكن مألوفًا في زمنه.

ففي الفصل الرابع، وحديثه عن الفن، يقول في ص 175 حتى ص 180: يميز بين عالم الظهور وعالم الواقع والمستبطن، إضافة إلى تبنيه رؤية شوبنهور، لكنه ذهب أبعد من شوبنهور حين قال إن الفن يمكن أن يكون تأثيره داعمًا للحياة، وليس فترة مؤقتة، وأن رسالة الفن عند الإغريق رسالة يجب استعادتها؛ فالفن هو جوهر الفلسفة.

مسؤولية الوسيط الثقافي

يلمح الكتاب إلى مسؤولية الوسيط الثقافي، سواء كان مؤلفًا أو مترجمًا، فكما أن المترجم الذي لا يؤمن بالنص قد يفرغه من روحه، فإن الكاتب الذي لا تتآلف رؤيته مع فكر من يكتب عنه لن يقدم سوى قراءة ميتة.

في الفصل الخامس، يستعرض المؤلف علاقة نيتشه بالمرأة ومفهوم الحب لديه، كما في ص 228، حيث يقول: “عندما يكون للمرأة ميل إلى العلوم، فغالبًا ما يكون ذلك علامة على اختلال جنسيتها”.

كما يتضح استدعاؤه القيم القديمة التى كانت تقيم المرأة درجة ثانية وأنها نموذج للزينة والغواية وأنها لا تسمع الكلام سوى باستخدام الهراوة، على عكس ما تبين لنا علاقته بأخته واعتزازه بها صديقا مخلصا حتى أودعها وصيته الأخيرة.

إن صدماته التى تتعرض لها جعلت فيه  شئ من الكراهية المصطنعة والتى فى داخلها حب قوى وجارف لحياة هادئة أحب أن يعيشها مع امرأة تحبه ويحبها، حيث يقول فى ص 269: “إذا كان الحب صادقا احتضنت الروح الجسد” وهكذا ساق لنا المؤلف وجهة نظر نيتشه وشرح الكاتب ما أراد أن نعرفه بعلاقته المضطربة بالمرأة.

حتى أخر صفحة من الكتاب فنجد ضوء الفكرة التى تبلورت بفضل الكاتب الذي أزاح الغبار عن أفكار نتشية التى التبست على البعض منا فكان حياديا مؤمنا بما كتبه وقدم لنا.

خاتمة

ليس كتاب نيتشه فيلسوف الفرح والأمل كتابًا عن نيتشه فقط، بل كتاب مع نيتشه، محاكمة فكرية عادلة، يتقدم فيها الدكتور حسن يوسف كمحامي دفاع بدرجة امتياز، لا ليبرئ الفيلسوف من كل إشكالياته، بل ليحرر القارئ من القراءة الجاهزة.

هو كتاب يؤمن بأن الفلسفة فعل حياة، وأن الحياة التي تستحق أن تُعاش لا تكون فكرة واحدة ولا إلزامًا نهائيًا، بل جدلًا دائمًا بين العقل والروح، بين الألم والفرح، وبين التفكيك وإعادة البناء لتحرر العقل وإيجاد أسبابا عدة للفرح والأمل.

زيارة مصدر الخبر