في السابع عشر من فبراير تحل ذكرى رحيل الكاتب والصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، أحد أبرز الصحفيين المصريين والعرب في القرن العشرين، وبحدثنا الكاتب الصحفي والباحث على النويشي صاحب كتاب “ هيكل وبهاء: ترويض السلطة ” عن هذه العلاقة. وقال الكاتب الصحفي علي النويشي لـ«الدستور» إن هيكل وأحمد بهاء الدين كانا صحفيين كبيرين، وصديقين حميمين في الحياة، ومخلصين للمهنة وللأجيال، وفي الوقت نفسه كانا لدودين في المنافسة والإنجاز، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة الاستثنائية جمعت بين حرارة الصداقة وبرودة الاحتراف.وأشار النويشي إلى أنه على طول تاريخ الصحافة لم يبكِ هيكل إلا يوم أن مات جمال عبد الناصر، ويوم أن عرف بمقتل أنور السادات وهو في الأصفاد معتقل، ويوم أن غادر منزل بهاء بعد أن رأى صور غزو العراق للكويت وهو في مرضه الأخير. ولفت النويشي إلى قول هيكل: “لخصت له الموضوع، يومها بكى بهاء”.وأوضح النويشي أن هيكل استعاد تلك اللحظة قائلًا:“وأتذكر أنني ليلتها خرجت من بيته مثقلًا بكل هموم الدنيا – أسائل نفسي وأسائله وكأنه يسمعني:بهاء.. ما الذي يمنعك من أن تقاوم طارئ المرض الذي ألم بك؟أهو نفس الحياء الذي منعك دائمًا أن ترد طارقًا جاء إلى باب مكتبك أو بيتك؟… حتى المرض يمنعك الحياء أن تخرجه من ضيافتك؟”

صدور «أزمة الشعر المعاصر» لشكري عياد ضمن مشروع الأعمال الكاملة بهيئة الكتاب
ويرى النويشي أنه مع أن هيكل وبهاء بدأ معًا مشوار الصحافة في نفس التوقيت تقريبًا مع بداية الحرب العالمية ونهايتها، وعبّرا معًا عن حالة السخط والغضب والغليان التي كانت تستوطن نفوس المصريين قبل ثورة 1952، وسارا بخطى واثقة نحو المجد حتى عبرت شهرتهما حدود مصر، إلا أن صداقتهما الوثيقة لم تتبلور إلا مع بداية العقد السادس من القرن العشرين.وأشار النويشي إلى أن الثورة قامت، وانفعل معها المصريون، وجرت في النهر مياه كثيرة، وذهب محمد نجيب، وتمكن عبد الناصر من السلطة وصار رئيسًا، ووقع العدوان الثلاثي، وانتصرت مصر، وأصبحت قبلة أحرار العالم من أفريقيا لآسيا لأمريكا اللاتينية، فيما كان هيكل وبهاء يكتبان ويملآن الدنيا ويشغلان الناس.ولفت النويشي إلى شهادة بهاء عن تلك الرحلة التي جمعته بهيكل، حتى أصبحا أهم صديقين في الوسط الصحفي، فلا يمر يوم إلا وهما في اتصالات حول الشأن العام، ولا يمضي أسبوع إلا ويلتقيان، لا يمنعهما إلا السفر أو الظروف.وقال النويشي إن بهاء ذكر:“لم أعمل إذن مع محمد حسنين هيكل في الأهرام إلا في رئاسة أنور السادات، وكان واضحًا أن علاقته بأنور السادات لا تقل كثيرًا في مستواها الرسمي والعملي على الأقل عن علاقته بالسلطة في عهد جمال عبد الناصر. كنت ألاحظ أنه الوحيد الذي يستطيع أن يخاطب السادات فيما لا يستطيع أن يخاطبه فيه أحد، وأن رؤساء الوزارات والوزراء يخطبون وده بنفس الطريقة”.وأوضح النويشي أن بهاء أشار بعد رحيل عبد الناصر وتولي السادات الحكم إلى أنه بدأ يشعر بأن الرئيس السادات يكره هيكل أكثر مما تصور أول الأمر، وأنه رغم حرصه على الاستعانة بكفاءته، حاول عبثًا أن يجعله يعمل بشروطه لا بشروط هيكل، بينما تصور هيكل أنه صار مركز قوة من نوع آخر غير قابل للعزل.ولفت النويشي إلى أن بهاء أكد أنه حدد موقفه للسادات، وكان يعرف مسبقًا أن العلاقة بينه وبين هيكل علاقة صداقة شخصية ومهنية وعائلية، وكان السادات يقول إنه يقدر ذلك تمامًا.وأشار إلى ما أورده بهاء في كتابه محاوراتي مع السادات، حيث قال:“في تقديري أن فك لغز شخصية جمال عبد الناصر الشديدة التميز والتفرد في التاريخ المصري، والعملاق الذي خرج من تراب مصر بعد قرون من الرقاد كفرعون جديد جبار، لا يمكن أن يتم فهمه إلا إذا فك علاقته بثلاث شخصيات وصداقات كان لها أكبر الأثر في حياته”.وأوضح النويشي أن بهاء تناول علاقة عبد الناصر بعبد الحكيم عامر الذي سلّمه الجيش بكامله، وانشق عليه وصار ندًا له منذ الستينيات، ومع ذلك ترك له كل هيلمانه وتأثيره حتى النهاية المرة. كما تناول علاقته بالسادات الذي بدا مختلفًا عنه في كل شيء، ومع ذلك اختاره خليفة له، معتبرًا أن ذلك كان اختيارًا مدروسًا ومقصودًا، رغم حملة التشهير التي قادها السادات بعد وفاته.ويرى النويشي أن بهاء اعتبر علاقة عبد الناصر بهيكل علاقة استثنائية، إذ لم يكن هيكل من أقرب الناس إليه في أول الثورة، لكنه صار – في تقديره – أقرب الناس إليه على الإطلاق، حتى جعله شريكًا في الحكم على أعلى مستوى، والدليل أنه حين مرض بأزمة قلبية عنيفة ومنع من العمل، شكل لجنة لإدارة البلاد باسمه ضمت شعراوي جمعة، وأمين هويدي، وسامي شرف، ومحمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام آنذاك.بهاء ناقدًا هيكلوقال النويشي إنه إذا كان هيكل قد خاطب بهاء في محنة مرضه الأخير قائلًا:“يا أيها العزيز الغالي.. بهاء، نحن نريدك معنا، لا نريد عقلك وقلمك، ولكننا نريدك معنا إنسانًا وصديقًا وجليسًا وأنيسًا ومحاورًا”،فإن بهاء، قبل ذلك بخمس سنوات، وفور صدور كتاب ملفات السويس عام 1986، تصدى لعرضه في مدح لم يكتب عنه أو عن أي كتاب آخر من قبل ولا من بعد.وأشار النويشي إلى أن بهاء قال:“كتاب محمد حسنين هيكل عن حرب السويس هو أهم كتاب في فن وعلم التاريخ قرأته في اللغات الأجنبية والعربية من سنوات طويلة. إنه ذلك الكتاب الذي يلغي سائر الكتب، أي يلغي كل ما كتب قبله عن هذا الموضوع، وما سوف يكتب بعده سيكون معتمدًا عليه كمرجع أساسي”.وأوضح النويشي أن بهاء عدد أسباب هذا التقدير، مؤكدًا أن المؤلف كان في قلب الأحداث، ويمتلك مجموعة ضخمة من الوثائق الأصلية، ومد جهده واطلاعه إلى كل ما نشر من مؤلفات وكل من بقي على قيد الحياة من الشخصيات المعنية، فضلًا عن الوثائق البريطانية والأمريكية، بما فيها أوراق خاصة ببعض الرؤساء الأمريكيين في مكتباتهم التذكارية، مشيرًا إلى أن الكتاب الذي تجاوز تسعمائة صفحة تضمن نحو ثلاثمائة صفحة من الوثائق الكاملة، مما لا يعرف له نظيرًا.ولفت النويشي إلى أن بهاء رأى أن هيكل لم يقف عند الحدود التقليدية للكتابة عن حرب السويس، بل وسع دائرة التحليل لتشمل جذور الصراعات الدولية والإقليمية، معتبرًا أن الكتاب ليس عن حرب السويس فقط، بل عن تاريخ المنطقة والصراع الدولي في تلك الحقبة التي تغيرت فيها موازين القوى العالمية.وختم النويشي تصريحاته لـ«الدستور» بالتأكيد على أن علاقة هيكل وبهاء تمثل نموذجًا راقيًا في الوسط الصحفي، حيث يمكن للصداقة أن تتعايش مع النقد، وللاختلاف أن يكون مصدر إثراء لا خصومة، وأن تجربتهما تبقى درسًا مهمًا للأجيال الجديدة في فهم دور الصحافة في لحظات التحول التاريخي.