ثقافة, جريدة الدستور 17 فبراير، 2026

على هامش فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الفائت جمعنا هذا الحوار مع الشاعر والمترجم العراقي حسين نهابة، والذي فتح أبواب تجربته الإبداعية على مصراعيها، كاشفا عن علاقة عميقة ربطته باللغة الإسبانية منذ دراسته الجامعية الأولى، تلك العلاقة التي تجاوزت حدود التعلم الأكاديمي إلى فضاء روحي شكل قصيدته وخياراته الترجمية. في هذا الحوار، يتتبع “نهابة” أثر الأندلس في وعيه الشعري، ويضيء على دور الموسيقى والسينما وأدب أمريكا اللاتينية في تشكيل رؤيته للغة والثقافة، متوقفا عند أسئلة جوهرية تخص ترجمة الشعر، وحدود الأمانة، ومسؤولية المترجم تجاه النص والقارئ معا. كما يناقش واقع الترجمة بين العربية والإسبانية، مشيرا إلى التحديات المؤسسية التي تعيق وصول الأدب العربي إلى العالم الناطق بالإسبانية، محددا موقع المترجم بوصفه شاهدا ثقافيا يؤدي مهمة أخلاقية ومعرفية دقيقة. حوار يكشف ملامح مشروع ثقافي يرى في الترجمة فعل عبور حضاري، وفي الشعر طاقة تتجاوز اللغات ولا تعترف بالحدود.وإلى نص الحوار

الشاعر العراقي حسين نهابة: اللغة الإسبانية فتحت داخلي تواريخ وفضاءات بلا مفاتيح (حوار)
كيف فتحت لك اللغة الإسبانية أبوابها الأولى ومتى شعرت أنها لم تعد لغة دراسة بل فضاءً روحيًا وإبداعيًا؟لعبت الصدفة في حياتي أدوارًا مهمة بعضها كان لها أثرًا في تغيير مساراتي العملية، لقد تفتحت أمامي أبواب اللغة الاسبانية حين اخترتها لتكون أول شهادة جامعية لي تخرجت منها عام ١٩٨٨، ومنذ ذلك الحين بدأت تنبثق من دواخلي تواريخ وفضاءات لا أملك لها مفتاحًا.إلى أي مدى شكّل التاريخ الأندلسي جذرًا خفيًا لخياراتك الشعرية والترجمية؟لم أكن أؤمن بالحياة الماضية حتى زرت جنوب إسبانيا، وتغيرت في أعماقي مفاهيم كثيرة وشعرت بأني كنتُ وما زلتُ جزءًا من هذا الإرث العريق الذي بدأ يكبر في داخلي يومًا بعد آخر. لهذا تجد في قصائي وترجماتي الكثير من هذا الإرث.هل كانت الموسيقى والسينما الإسبانية وأدب أميركا اللاتينية امتدادًا لحبك للغة، أم مدخلًا آخر لاكتشافها؟.حين تعشق ميدانًا تتسرب إلى أوردتك، كل تفرعاته واحدًا تلو الآخر، هكذا صار معي حين شرعت في التغلغل في اللغة الإسبانية. كانت تتشربني كل يوم، مدنًا وحضارات وأناس وعواصف موسيقية تضج في داخلي وتجعلني أكتشف نفسي من خلالها. 
img
في انتقالك بين ترجمة القصة والمسرح والرواية ما الذي يبحث عنه المترجم في النص قبل أن يختاره؟أبحث عمّا ينفع القارئ والشارع الثقافي العربي، جميعنا يعرف بأن الجب الثقافي العربي لا يمتلأ مهما أفرغت فيه قراءات وثقافات أخرى، لذا جاهدًا حاولتُ أن أضفي عليه ما يلبي رغبات القارئ العربي وتطلعاته. كيف يمكن للشاعر داخلك أن يحمي روح القصيدة حين تعبر من لغة إلى أخرى؟الشاعر روح مُعذَّبة تتخطى بأجوائها الخاصة كل الحدود، ولا يعد الشاعر يعي ما يكتب لأن كلماته تتمرد على كل اللغات.هل تشعر أن ترجمة الشعر فعل إحساس قبل أن تكون تمرينًا لغويًا؟ وهل تنجح ترجمة الشعر أقصد أن غالبية من يشتغلون بالترجمة يروا أن ترجمة الشعر معنية بترجمة روح الشعر لا الترجمة بالمعنى الأمين لها؟لا بد أن نعرف بأن الترجمة أنواع عديدة وتخصصات لا بد منها، فالترجمة الأدبية تختلف عن القانونية والدينية والسياسية إلخ، وحتى الترجمة بشكل عام تنقسم، حسب عالم اللسانيات الأمريكي ستاينر إلى ثلاثة أقسام: الترجمة الحرفية والترجمة الدلالية والترجمة الأمينة، أنا مع الترجمة الأمينة على أن لا يخرج المترجم عن روح النص، والأفضل أن يكون مترجم الشعر شاعرا حتى يتقمصه ملاك الشعر ولا يبخس نص الشاعر المُترجم عنه.في ظل الاختلاف الجوهري بين بنية الشعر العربي والإسباني كيف تصنع جسور العبور بينهما؟المترجم المهني يجب أن يعي جيدًا لمهمته العسيرة في نقل النصوص، ووفقًا لهذا المبدأ، لا بد للمترجم أن يطلع تمامًا على ثقافة وموروث إسبانيا ودول أمريكا اللاتينية حتى يتمكن من صنع جسور تناسب والروح التي تُذكي شعلة القارئ العربي. ما اللحظة الأصعب في ترجمة نص شعري: الإمساك بالمعنى أم الحفاظ على الإيقاع الداخلي؟المعنى والإيقاع الداخلي والوزن الإحساسي، تصب جميعها في روح القصيدة ولا بد أن يمسك الشاعر بخيوطها بقوة ليتمكن من إفراغ جهده في نقلها الى القارئ العربي بيسر ومهنية.في أعمالك الأندلسية، كيف يتجاور التاريخ والخيال دون أن يلغي أحدهما الآخر؟ وما الذي حرضك على لخوض هذه التجربة؟.الأندلس حقيقة لا خيال فيها ولا غبار على وقائعها، حين تعيش التاريخ الاندلسي، تنتفي منك كل الشكوك ولا يعد أمامك سوى أن تحتضن هذا المجد وهذا العبق الآمن. منذ صغري وأنا اتنقل بين المدن والحواضر حتى استقرت روحي الهائمة في الأندلس، وتخصصتُ في تاريخها وعطورها على الرغم من التاريخ السياسي الدامي لبعض فتراتها التي انتهت بتسليم مفاتيحها الى الملكين فرديناند وإليزابيث عام ١٤٩٢. هل ترى الترجمة وسيلة لاستعادة ذاكرة حضارية أم لإعادة مساءلتها؟لا يحق المترجم أن يبدي رأيه في النصوص التي ينقلها، قد يعبر عمّا في داخله أو يكره أو يحب بعض الأمور التي ترد في كتابه المترجم، ولكن عليه أن يكتمه في صدره ولا يبديه للعلن ويسطره في هذا الكتاب. أنه ناقل أمين. كيف تنظر إلى حركة الترجمة من الإسبانية إلى العربية اليوم؟تمتلئ رفوف مكتباتنا العربية بالترجمات المزدحمة من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية وهو ما يطمن غريزة القارئ العربي المتعطش إلى الثقافات الأخرى وخاصة الإسبانية سواء في أمريكا الجنوبية أو في إسبانيا. ما الذي يمنع الترجمة العربية من استعادة وهجها التاريخي ودورها التنويري؟ للأسف الشديد هناك ندرة في نقل أدبنا العربي إلى الإسبانية مقارنة بما يصلنا من أدب إسبانيا وأمريكا الجنوبية المُترجَم، فالمترجم وحده غير قادر على الخوض في هذا البحر العميق، بل يحتاج إلى أيدٍ ومؤسسات أمينة تأخد بكفاءته لنقل أدبنا العربي وهي قليلة للأسف على الرغم من وجود بعض المؤسسات العربية التي أخذت على عاتقها تلك المبادرة، ما زلنا نحاول مع بعض المترجمين المهنيين لإيصال صوت الأدب العربي إلى إسبانيا وأمريكا الجنوبية، لكن بتقديري، نحتاج إلى المزيد من المترجمين والمزيد من الدعم المعنوي المؤسساتي. هل المترجم شاهد ثقافي أم شريك خفي في صناعة المعنى؟ خاصة في ظل الترجمة من العربية إلى اللغة الإسبانية؟ المترجم شاهد حقيقي يضطلع بمهمة حيوية تنطلق من ضميره الأبيض في نقل النص بروحه المُضمرة وإبرازها بهيئة جميلة تليق ويبقى السؤال الأخير كيف ترى معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال57أنا حريص جدًا على حضور معرض القاهرة للكتاب لأني اعتبره جزءًا من المنظومة الفكرية والأدبية التي تنير طريق الأدبي للقارئ العربي، كما اعتبره ملتقى أدبي أتوق له، يجمعنا مع الكثير من الأدباء الذين نشم عبير إبداعاتهم.

زيارة مصدر الخبر