قالت الدكتورة أريج جبر، أستاذ العلوم السياسية، إن ما يعرف بـ«قانون أملاك الدولة» الصادر أخيرًا عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق أوسع يسعى إلى تحويل وهندسة الواقع في الضفة الغربية وتغيير قواعد اللعبة التي تحكمها.
فرض سياسة الأمر الواقع
وأشارت “جبر”، فى تصريحات خاصة لـ“الدستور”، إلى أن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا من سياسة فرض الأمر الواقع عبر العدوان المباشر وإدارة المشهد بالدبابة أو الحرب المفتوحة، إلى مرحلة «قوننة الوقائع»، أي إضفاء غطاء قانوني إسرائيلي على عمليات السطو والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، ضمن نهج يعتبر الضفة الغربية جزءًا من الكيان المحتل ومكونًا من مشروع «إسرائيل الكبرى». وأوضحت «جبر» أن القانون الجديد يفهم في إطار «الضم الزاحف الصامت منخفض الكلفة»، حيث يتم تعميق حالة الاستيطان والسيطرة على أراضي الضفة تدريجيًا دون إعلان سياسي صريح بالضم، ولكن عبر أدوات تشريعية وإدارية تغيّر الواقع على الأرض.وأضافت أن هذا التوجه لا يقتصر على توسيع الاستيطان، بل يتعداه إلى «هندسة جغرافية وديموغرافية» تتضمن إبعادًا قسريًا ونزوحًا لسكان بعض المناطق، والاستيلاء على أملاك الدولة الفلسطينية، بما يمهد بعد موجات نزوح متتالية لفتح المجال أمام التهجير. وأشارت إلى أن أخطر ما في هذه السياسات هو تقطيع أوصال أراضي الضفة الغربية وتفكيكها جغرافيًا، بحيث يصبح من غير الممكن عمليًا قيام دولة فلسطينية وفق مفهوم حل الدولتين.
انتهاكات جسيمة
وشددت أستاذة العلوم السياسية على أن الأمر لا يحتاج إلى توصيف قانوني جديد، لأن قواعد القانون الدولي القائمة تجرم هذه الممارسات بشكل مباشر، فوفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تنص المادة 49 الفقرة السادسة على حظر نقل دولة الاحتلال جزءًا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وهو يعتبر خرقًا واضحًا للقانون الدولي في حال استبدال الفلسطيني صاحب الحق بمستوطن. كما أشارت إلى المادة 53 من الاتفاقية ذاتها، التي تحظر تدمير ممتلكات الأفراد أو الدولة في الإقليم المحتل، معتبرة أن ما يجري يندرج ضمن «انتهاكات جسيمة» يعاقب عليها وفق توصيفات وقرارات المحكمة الجنائية الدولية وميثاق روما.واعتبرت أن تحويل الأراضي الفلسطينية وفق التشريع الإسرائيلي يمثل خروجًا عن سياق قواعد القانون الدولي، ومحاولة لإجراء تغييرات أحادية الجانب تمس الوضع القانوني والتاريخي لأراضي الضفة، بما يتناسب مع «خنق الفلسطيني في أرضه» وتوسيع الاستيطان الذي يمكن توصيفه كجريمة حرب. واقرأ:مراد حرفوش: حكومة نتنياهو تنفذ أخطر مشروع استيطاني بالضفة منذ عقود (خاص)وأوضحت «جبر» أن تلك السياسات تتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي أرسى مبدأ «الأرض مقابل السلام» وأكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وضرورة الانسحاب من الأراضي التي تم احتلالها عام 1967، كما استشهدت بقرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016، الذي أكد أن جميع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لا تحمل أي صفة قانونية وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، مشيرة إلى أن ما يجري حاليًا هو محاولة لشرعنة هذه المستوطنات عبر أدوات تشريعية داخلية. وأضافت أن هناك مئات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أكدت حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقه في تقرير المصير.
تغييرات أحادية الجانب
وتطرقت «جبر» إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2004 بشأن الجدار العازل، والذي ربط بين مسار الجدار ونظام الفصل العنصري والاستيطان، واعتبرت أن هذه السياسات تنتهك قواعد القانون الدولي واتفاقية جنيف، وأكدت أن المستوطنات مخالفة لهذه الاتفاقية، كما أشارت إلى الرأي الاستشاري الصادر عام 2024، والذي اعتبر أن استمرار الاحتلال والاستيطان والضم الفعلي، وإجراءات تغيير الطابع الديموغرافي في أراضي الضفة الغربية، تمثل أوضاعًا غير قانونية بموجب القانون الدولي. ونوهت بأن الاحتلال يسعى إلى إحداث تغييرات أحادية الجانب في الوضع القانوني والتاريخي لأراضي الضفة الغربية، عبر هندسة واقع جديد يجعل من الصعب التراجع عنه سياسيًا في المستقبل، لافتة إلى أن خطورة «قانون أملاك الدولة» لا تكمن فقط في نصوصه، بل في كونه جزءًا من مسار أشمل لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية، بما يقوض الأسس التي قام عليها حل الدولتين، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بالقانون الدولي وقراراته ذات الصلة.