صدر حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب «العروسة في الفن والحياة» للفنانة التشكيلية الدكتورة سماء يحيى، ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي» (العدد 51)، في نحو 120 صفحة من القطع المتوسط.ويأتي الكتاب بوصفه دراسة بصرية-ثقافية تتتبع حضور «العروسة» أو الدمية في التاريخ المصري، من أقدم التماثيل الطقسية إلى مسرح العرائس المعاصر، كاشفًا عن أبعاد جمالية ورمزية تتجاوز براءة اللعبة إلى عمق الدلالة الحضارية.
من الطين الأول إلى الرمز المؤسس
يفتتح الكتاب بتقديم ومقدمة تؤسسان لفكرة جوهرية: أن العروسة ليست مجرد لعبة طفل، بل تجلٍّ مبكر لرغبة الإنسان الأولى في التشكيل وبناء المعنى، وتنطلق المؤلفة في فصولها الأولى من عصور ما قبل التاريخ، مستعرضة تماثيل مبكرة مثل «صنم شيجير» في روسيا بوصفه أحد أقدم التماثيل الخشبية في العالم، ودلالة ذلك على قدرة المجتمعات البدائية على التفكير الرمزي والتنظيم العقائدي كما تتناول بدايات النحت في مواقع مثل «عين غزال» وحفائر«تل الفرخة» في مصر بوصفها ودائع نذرية، لتربط بين الدمى الأولى وفكرة الخصوبة والطقس والعيش المشترك. وتعرض تحليلات تشير إلى ارتباط التماثيل الحيوانية والإنسانية بمفاهيم سبل العيش والخصوبة والحماية، في سياق اجتماعي واقتصادي معقد

رشا عدلى: كتابى «ملء العين» يرصد الحضور التاريخى للمرأة فى الفن التشكيلى
ترى سماء يحيي أن أفتنان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعلته يحاول أن يقرب صور الطبيعة لكى تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقادا بأنه يستطيع أن يقترب متها، أو يقوم بطقوس ليتقى شرها، لذا كانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، وعرائس لأغراض الخصوبة والأنجاب، ولعل أشهرها دمية “فينوس: التي تعود إلى العصر الباليوثي العلوي”الجرافيتي “. أشارت يحيي إلى أنها وجدت دمى وعرائس في دفنات عين غزال، ودفنات حضارات مثل نقادة والبداري، كما وجدت باحجام وخامات واشكال منوعة في سيبيريا ووسط أسيا والبلطيق، من اشهر وابرز تلك الدمي تمثال دولتي فستونيسي، والدمى السومرية الملوته، وتماثيل تل الفرخة المصرية الشهيرة التي تعود إلى عصر ما قبل الآسرات. اشهر دمى وعرائس الحضارة المصرية ويقدم الكتاب أشهر دمي وعرائس الحضارة المصرية تتمثل في عروسة الثمح، عروسة القطن، العروسة الورق، عروسة البحر “الست سفينة: عروسة الزار، عرائس السماء “الآذن ” عروسة المولد، عروسة النفقة، عرائس الطين الريفية بالموالد، شكوكو بقزازة وسميحة بقزازة، الاراجوز بطرطور، العروسة النوبة، العروسة الشرقاوية. تؤكد يحيي على أن العروسة بكل تنوعها وتاريخها تعد أحد الأصول الأساسية للثقافة والفن الشعبي، وترجع ذلك إلى ارتباطها منذ البداية بحياة الفن والجماعة. ومن ناحية البعد الرمزي والتعبيري والتاريخي، وأيضا من ناحية الخامات والأساليب المختلفة، ومن ناحية التنوع الوظيفي للدمي وخدمتها للأغراض الثقافية الاجتماعية.
