ثقافة, جريدة الدستور 20 فبراير، 2026

صدر حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب «العروسة في الفن والحياة» للفنانة التشكيلية الدكتورة سماء يحيى، ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي» (العدد 51)، في نحو 120 صفحة من القطع المتوسط.ويأتي الكتاب بوصفه دراسة بصرية-ثقافية تتتبع حضور «العروسة» أو الدمية في التاريخ المصري، من أقدم التماثيل الطقسية إلى مسرح العرائس المعاصر، كاشفًا عن أبعاد جمالية ورمزية تتجاوز براءة اللعبة إلى عمق الدلالة الحضارية. 

من الطين الأول إلى الرمز المؤسس

 يفتتح الكتاب بتقديم ومقدمة تؤسسان لفكرة جوهرية: أن العروسة ليست مجرد لعبة طفل، بل تجلٍّ مبكر لرغبة الإنسان الأولى في التشكيل وبناء المعنى، وتنطلق المؤلفة في فصولها الأولى من عصور ما قبل التاريخ، مستعرضة تماثيل مبكرة مثل «صنم شيجير» في روسيا بوصفه أحد أقدم التماثيل الخشبية في العالم، ودلالة ذلك على قدرة المجتمعات البدائية على التفكير الرمزي والتنظيم العقائدي  كما تتناول بدايات النحت في مواقع مثل «عين غزال» وحفائر«تل الفرخة» في مصر  بوصفها ودائع نذرية، لتربط بين الدمى الأولى وفكرة الخصوبة والطقس والعيش المشترك. وتعرض تحليلات تشير إلى ارتباط التماثيل الحيوانية والإنسانية بمفاهيم سبل العيش والخصوبة والحماية، في سياق اجتماعي واقتصادي معقد 

«العروسة في الفن والحياة “.. كتاب يستكشف حضور العروسة في حضارات العالم

رشا عدلى: كتابى «ملء العين» يرصد الحضور التاريخى للمرأة فى الفن التشكيلى

ترى سماء يحيي أن أفتنان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعلته يحاول أن يقرب صور الطبيعة لكى تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقادا بأنه يستطيع أن يقترب متها، أو يقوم بطقوس ليتقى شرها، لذا كانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، وعرائس لأغراض الخصوبة والأنجاب، ولعل أشهرها دمية “فينوس: التي تعود إلى العصر الباليوثي العلوي”الجرافيتي “.  أشارت يحيي إلى أنها وجدت دمى وعرائس في دفنات عين غزال، ودفنات حضارات مثل نقادة والبداري، كما وجدت باحجام وخامات واشكال منوعة في سيبيريا ووسط أسيا والبلطيق، من اشهر وابرز تلك الدمي  تمثال دولتي فستونيسي، والدمى السومرية الملوته، وتماثيل تل  الفرخة المصرية الشهيرة التي تعود إلى عصر ما قبل الآسرات. اشهر دمى وعرائس الحضارة المصرية ويقدم الكتاب أشهر دمي وعرائس الحضارة المصرية تتمثل في  عروسة الثمح، عروسة القطن، العروسة الورق، عروسة البحر “الست سفينة: عروسة الزار، عرائس السماء “الآذن ” عروسة المولد، عروسة النفقة، عرائس الطين الريفية بالموالد، شكوكو بقزازة وسميحة بقزازة، الاراجوز بطرطور، العروسة النوبة، العروسة الشرقاوية.  تؤكد يحيي على أن العروسة بكل تنوعها وتاريخها  تعد أحد الأصول الأساسية للثقافة والفن الشعبي، وترجع ذلك إلى ارتباطها منذ البداية بحياة الفن والجماعة. ومن ناحية البعد الرمزي والتعبيري والتاريخي،  وأيضا من ناحية الخامات والأساليب المختلفة، ومن ناحية التنوع الوظيفي للدمي وخدمتها للأغراض الثقافية الاجتماعية.

img
دمى المجداف… حتحور والوشم والطقس من أبرز المحطات التي يقف عندها الكتاب «دمية المجداف» في مصر القديمة، بوصفها مرحلة مفصلية في تاريخ العروسة المصرية، وتستعرض المؤلفة دراسات أثرية تربط بين هذه الدمى وممارسات الوشم وطقوس الوقاية والخصوبة، بل وعلاقتها بالآلهة حتحور وعقود «المينيت» ذات الدلالة الطقسية  هذا الربط بين الشكل الجمالي والوظيفة الطقسية يمنح الدمية بُعدًا يتجاوز التمثيل إلى الفعل؛ فهي ليست صورة فقط، بل أداة حماية واستدعاء للبركة، وجسر بين الإنسان والمقدّس. من نقراطيس إلى البهنسا… العروسة في تحولات الحضارة تنتقل الدراسة عبر العصور الهيلينستية والرومانية والقبطية، متتبعة تماثيل الحجر الجيري والتراكوتا في «نقراطيس»، وشواهد «أوكسيرنخوس» (البهنسا)، وصولًا إلى عروسة المولد بوصفها ابنة تراث طويل ومتعدد الجذور، وتؤكد المؤلفة أن العروسة الشعبية المصرية ظلّت، عبر القرون، مرآة للهوية الجمعية، تعبّر عن الأسطورة والمعتقد والإيمان، وفي الوقت ذاته تعكس التطور والتأثر بالعالم المحيط، فهي فن يجمع بين علم الإنسان وظروف الحياة والطبيعة، في نسق بصري يرسّخ الهوية ويجدّدها.  العروسة ومسرح الظل… من الاحتفال إلى النقد السياسي لا يقف الكتاب عند حدود التراث القديم، بل يمتد إلى مسرح العرائس وخيال الظل في العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية، بوصفه امتدادًا حيًا لفن الدمى في المجال العام، ويستحضر مثال «الليلة الكبيرة» وعرائس ناجي شاكر، التي أصبحت جزءًا من الوجدان الشعبي المصري كما يعرض نماذج مسرحية حديثة توظف العرائس في نقد السلطة والخطاب السياسي، كما في معالجة معاصرة لشخصية «ميرما» التي تسخر من إساءة استخدام السلطة تحت شعارات الحرية، وهنا تتحول العروسة من رمز احتفالي إلى أداة مساءلة وسخرية سياسية، في دلالة على مرونة هذا الفن وقدرته على مواكبة العصر. الفن بوصفه تنظيمًا للفوضىتطرح المؤلفة رؤية فلسفية تعتبر الفن «وسيلة تنظيم الفوضى»، مؤكدة أن بحثها ليس توثيقًا أرشيفيًا بقدر ما هو فتح لباب تشكيلات وأيقونات جديدة تستلهم التراث في صياغة فن معاصر أقرب إلى الناس، وتشير إلى أن العروسة، بوصفها صورة مختزنة في الذاكرة البصرية، تغذي مخيلة الفنان وتمنحه مفاتيح لعوالم موازية، فالإبداع لا ينشأ من فراغ بل من تراكم الصور والتجارب والرؤية المختلفة بين البحث الأكاديمي واللمسة الإبداعية يتجاوز الكتاب كونه مجرد دراسة في تاريخ الدمى، بل قراءة في تاريخ الإنسان نفسه: في خوفه من المجهول، وفي رغبته في الخلود، وفي محاولته الدائمة لصياغة العالم على هيئة صورة يمكن الإمساك بها. ومن خلال هذا المسار الطويل، تثبت العروسة أنها لم تكن أبدًا لعبة عابرة، بل إحدى أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة الثقافية المصرية.”«العروسة في الفن والحياة» كتاب يفتح نافذة على تاريخ الرمز الشعبي، ويعيد الاعتبار لفن ظلّ قريبًا من الناس، بسيط الشكل، عميق الدلالة، ومتجددًا بقدر ما تتجدد الحياة نفسها.  

زيارة مصدر الخبر