بينما تعمل إيران على بلورة مقترح مكتوب تقدمه إلى الولايات المتحدة، خلال أسبوعين، يكشف عن رؤيتها لكيفية معالجة الخلافات والتوصل إلى اتفاق بين الطرفين بشأن البرنامج النووى الإيرانى، أعلن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، أمس الأول، عن تخصيص مهلة من ١٠ إلى ١٥ يومًا كحد أقصى لإبرام الاتفاق. وقال «ترامب» للصحفيين، الخميس، معلقًا على الوضع حول إيران: «سنبرم اتفاقًا بطريقة أو بأخرى.. ١٠ أيام ستكون كافية لذلك»، قبل أن يضيف: «١٠ إلى ١٥ يومًا كحد أقصى». تأتى هذه الخطوات بعد جولة المحادثات غير المباشرة التى عقدت بين إيران والولايات المتحدة فى جنيف، الثلاثاء الماضى، بهدف إيجاد مخرج دبلوماسى للتوتر المتصاعد حول البرنامج النووى الإيرانى. كما تأتى بالتزامن مع تحركات عسكرية أمريكية فى المنطقة، واجتماع كبار مستشارى الأمن القومى الأمريكى فى غرفة العمليات بالبيت الأبيض لمناقشة الملف الإيرانى، مع تأكيد اكتمال نشر القوات الأمريكية بحلول منتصف مارس المقبل. فى السطور التالية، يتحدث خبراء عرب وإيرانيون، لـ«الدستور»، عن هذه التحركات، وكيف يمكن أن تسهم فى التوصل إلى حلول بشأن القضايا العالقة، والتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووى الإيرانى. احتمالات المعركة ما زالت قائمة خاصة مع ضغوط إسرائيل على الولايات المتحدة كشف هادى أفقى، الدبلوماسى الإيرانى السابق، تفاصيل المقترح الإيرانى بشأن معالجة الخلافات والتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووى لبلاده، مشيرًا إلى أنه يتضمن التعاون مع وكالة الطاقة الذرية، وتخفيف تركيز مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة ٦٠٪، مقابل رفع العقوبات.وأعتبر «أفقى» أن هذه المقترحات لا تحظى بأى ضمانة من الجانب الأمريكى، وأن تصريحات الطرفين، سواء التفاؤلية أو الحذرة، لا تعكس بالضرورة «التزامًا حقيقيًا».وأضاف: «تصريحات البيت الأبيض على لسان المتحدثة الرسمية جاءت حذرة جدًا، متزامنة مع تصريحات التفاؤل المحدود الصادرة عن الجانب الإيرانى، وهو ما يعكس حالة من الحرب النفسية والإعلامية المصاحبة للمفاوضات».ورأى أن احتمالات اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة، مع دخول إسرائيل على الخط، ما زالت قائمة، ما يجعل الحزمة والمفاوضات الحالية «غير مضمونة على الإطلاق».وواصل: «عدم الثقة تجاه الولايات المتحدة ليس مجرد شعور عابر، بل قائم على طريقة تصرف الإدارة الأمريكية على الأرض، وليس مجرد تصريحات لرئيسها أو وزرائها».ونبّه إلى أن المنطقة ما زالت على صفيح ساخن، خاصةً بعد تصريحات القيادة الإيرانية التى «أربكت الأمريكيين فى الخليج»، مضيفًا: «قوة الطائرات العسكرية مهمة، لكنها أقل خطورة مقارنة بالسلاح البحرى، لدوره فى السيطرة على الممرات المائية بشكل حاسم إذا ما اُستخدم».وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب التروى والصبر، وعدم إصدار أحكام مسبقة على نتائج الجولة الحالية أو أى جولة محتملة ثالثة من المفاوضات، مشيرًا إلى احتمال أن تحاول الولايات المتحدة مباغتة إيران كما حدث فى جولات سابقة، من خلال ضربات مفاجئة تستهدف القوات أو المشاريع الحيوية، بما فى ذلك البنية التحتية أو الشخصيات القيادية.وحذر الدبلوماسى الإيرانى السابق من الاعتماد على أى شعور إيجابى مؤقت، خاصةً أن الاستعدادات العسكرية الأمريكية، فى الجو والبحر والبر، فى حالة قصوى من التعبئة، لتجنب أى مفاجآت، وكذلك تجنب الانخراط فى مفاوضات وهمية. وعاد للتحذير مجددًا من الموقف الأمريكى قائلًا: «يجب أن نكون مستعدين لاحتمال الغدر الأمريكى، وعدم الالتزام بأى اتفاق، وأن نبنى موقفنا على الواقع الميدانى، لا على التصريحات السياسية فقط».واختتم بقوله: «إيران لن تتخلى عن حقها فى الدفاع عن نفسها، وأى خطوات مستقبلية، سواء على صعيد المفاوضات أو التحركات العسكرية، يجب أن تتسم بالحذر والدقة، مع استغلال القوة الاستراتيجية والمعلوماتية لإدارة الأزمة، وضمان حماية مصالحها الوطنية دون الانجرار وراء وعود قد تكون خادعة».   المفاوضات «مُلغّمة».. وقد تنتهى بـ«مواجهة عسكرية»  وصف الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلاقات الدولية، المباحثات الأمريكية الإيرانية فى جنيف بـ«المُلغّمة»، والتى تمثل إما مقدمة للتهدئة والتوصل إلى اتفاق، أو خطوة تمهيدية نحو مواجهة عسكرية، مشيرًا إلى أن المقترح الإيرانى بشأن المفاوضات النووية لا يزال قيد الدراسة والتقييم من قبل الإدارة الأمريكية.وأضاف «فهمى» أن الإدارة الأمريكية لم تتوصل بعد إلى تقييم موحّد حول نتائج المفاوضات مع إيران، مع وجود خلافات واضحة داخل المؤسسات الفيدرالية و«الكونجرس» بشأن فرص التوصل إلى اتفاق.ورأى أن «فرص نجاح التفاوض ربما تفوق فرص المواجهة العسكرية»، لأن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، يدفع بقوة نحو خيار الحل الدبلوماسى، لكنه لم يستبعد الخيار العسكرى نهائيًا.وأوضح أن الاستعدادات العسكرية الأمريكية فى منطقة الخليج بلغت نحو ٩٥٪، وهو مؤشر على أن أى قرار لشن ضربة عسكرية يمكن تنفيذه بسرعة وفاعلية إذا رغبت إدارة «ترامب» فى ذلك.وحذر «فهمى» من أن هذه الحشود العسكرية الكبيرة قد تؤدى إلى مواجهة غير مقصودة أو أخطاء تكتيكية، وهو احتمال لم تتجاهله واشنطن، لكنها تعتبره محدود التأثير مقارنة بإمكانية تنفيذ الضربة المخططة بدقة.وواصل: «السيناريوهان، التوصل إلى اتفاق أو المواجهة العسكرية، ما زالا مطروحين بقوة على الطاولة، والفترة المقبلة ستكون حاسمة فى تحديد اتجاه السياسة الأمريكية تجاه الملف النووى الإيرانى».واعتبر أن التحدى الأساسى يكمن فى إدارة التوازن بين الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية، داخل «الكونجرس» تحديدًا، والرغبة فى إظهار موقف قوى إقليميًا، وبين الفرص المتاحة للتوصل إلى اتفاق نووى يمكن أن يخفف التوتر فى المنطقة.وقال أستاذ العلاقات الدولية إن طبيعة المفاوضات فى جنيف تجعلها أكثر تعقيدًا، حيث يجرى الطرفان الحوار تحت ظروف مُلغّمة من الضغوط العسكرية والدبلوماسية والسياسية، ما يجعل أى خطوة أو تصريح عرضة للتفسير من الجانب الآخر على أنها تهديد أو استفزاز. وأضاف: «فى هذا السياق، يمكن للمحادثات أن تفضى إلى نتائج متدرجة»، معتبرًا أن المقترحات الإيرانية خطوة أولى نحو التهدئة، بينما تبقى احتمالات التصعيد قائمة فى حال فشل التوصل إلى اتفاق شامل.واعتبر أن الموقف الحالى للرئيس الأمريكى يعكس إرادة قوية لدفع المفاوضات نحو اتفاق، لكنه يبقى الباب مفتوحًا أمام الخيار العسكرى فى حال لم يحقق التفاوض النتائج المرجوة.وواصل: «هذه الديناميكية تجعل المرحلة المقبلة حساسة للغاية، إذ سيكون على الولايات المتحدة أن توازن بين الضغط على إيران لتحقيق أهدافها النووية، وتفادى أى تصعيد قد يؤدى إلى مواجهة واسعة فى الشرق الأوسط». ونبّه من جديد إلى أن المفاوضات النووية الإيرانية الأمريكية فى جنيف اتسمت بالتعقيد الشديد، مشيرًا إلى أن الفترة المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه المباحثات مقدمة لاتفاق نووى تاريخى أو شرارة مواجهة عسكرية محتملة، مع الأخذ فى الاعتبار التوترات الإقليمية، والاستعدادات العسكرية الضخمة فى الخليج. تحجيم الصواريخ الباليستية  الهدف الرئيسى لواشنطن  رأى محمود الأفندى، أستاذ العلاقات الدولية السورى، أن الهدف الأساسى للولايات المتحدة الأمريكية فى الملف الإيرانى، خاصة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، لا يقتصر على الملف النووى، بل يتركز بشكل أساسى على مشروع طهران للصواريخ الباليستية.وأوضح «الأفندى» أن واشنطن تسعى إلى تحجيم وتقييد القدرات الصاروخية الإيرانية التى تطورت بشكل ملحوظ فى السنوات الأخيرة، وأصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الأمريكى والإسرائيلى، نظرًا لتفوقها التكنولوجى مقارنة بما تمتلكه الولايات المتحدة فى هذا المجال.وأشار إلى التجربة السابقة فى فنزويلا، حيث لم تغير الضغوط الأمريكية نظام الرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تسعى بالأساس إلى تغيير النظام الإيرانى، بل إلى السيطرة على تهديده العسكرى الصاروخى.وأكد أن إيران تدرك هذا الهدف جيدًا، لذا تحاول استخدام المفاوضات النووية كأداة دبلوماسية لكسب الوقت، مع تقديم مقترحات متكررة تتعلق بالبرنامج النووى، مثل نقل اليورانيوم المخصب إلى روسيا، لكنها فى جوهرها لا تمس المشروع الصاروخى الذى يشكل محور الاهتمام الأمريكى. وأضاف: «إدارة ترامب تسعى من خلال الاتفاقيات المحتملة إلى الحصول على معلومات استخباراتية حول المشروع الصاروخى الإيرانى، إضافة إلى فرض قيود على تطويره وتحجيم قدراته»، مشيرًا إلى أن «الولايات المتحدة تواجه تحديات داخلية مرتبطة بانحسار الخبرات العلمية والتكنولوجية نتيجة فقدان الكوادر المتميزة، ما يجعل السيطرة على التقدم الصاروخى الإيرانى أولوية قصوى».وتوقع أن تواصل الولايات المتحدة الضغط والتهديدات حتى بعد أى اتفاق نووى محتمل، مضيفًا: «أى تسوية مرحلية فى ملف إيران النووى لن توقف المطالب الأمريكية المتعلقة بالصواريخ الباليستية».وواصل: «الهدف النهائى لواشنطن هو إضعاف قدرة إيران الصاروخية، ومنعها من الوصول إلى تقنيات جديدة يمكن أن تغير ميزان القوى الإقليمى والعالمى، مع التركيز على ضمان تفوقها التكنولوجى والاستخباراتى فى مواجهة أى تهديد محتمل».واختتم «الأفندى» تصريحاته بالإشارة إلى أن المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتحدة، مهما بدت بناءة على المستوى النووى، لا تغير حقيقة أن التركيز الاستراتيجى الأمريكى يبقى على المشروع الصاروخى الإيرانى، وأن كل الضغوط والاقتراحات الدبلوماسية الإيرانية ستواجه متابعة مستمرة من قبل واشنطن لتحقيق هذا الهدف.  طهران قد تشترى سكوت البيت الأبيض بالاستثمارات قال خالد شينكات، الباحث السياسى الأردنى، إن الولايات المتحدة تمارس أقصى الضغوط على إيران لفرض مطالبها دون أى مجال للمناورة أو التعديل، مشيرًا إلى أن أى مقترح إيرانى جديد يأتى فى ظل حضور عسكرى أمريكى كبير فى المنطقة مزود بأحدث المعدات والأسلحة الجوية والبحرية، ويعد الأكبر منذ غزو العراق عام ٢٠٠٣.وأضاف «شينكات» أن المقترحات الإيرانية الجديدة تسعى لإيصال رسالة واضحة إلى الإدارة الأمريكية، مفادها أن طهران ملتزمة بوقف تخصيب «اليورانيوم» لفترة محددة، قد تصل إلى ٣ سنوات، فى محاولة لطمأنة واشنطن بعدم السعى للحصول على السلاح النووى. وواصل: «إيران سبق أن طرحت أفكارًا لإنشاء تكتل إقليمى للتخصيب كجزء من استراتيجية دبلوماسية لإظهار التزامها بالحد من نشاطاتها النووية، رغم استمرار ضغوط واشنطن عليها لوقفها بالكامل».وأكمل: «المقترحات الإيرانية ترتكز أيضًا على استغلال شخصية الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، الذى يميل إلى تقديم حوافز اقتصادية مقابل التزام إيران بالحد من نشاطاتها النووية، بما فى ذلك فرص استثمار أمريكية واسعة فى إعادة تأهيل البنية التحتية الإيرانية، وشراء الطائرات المدنية، وهو ما يمكن أن يدر على الولايات المتحدة مليارات الدولارات».ونبّه الباحث الأردنى إلى أن الضغط الإسرائيلى يمثل عاملًا رئيسيًا فى هذه المعادلة، وسط تصريحات رسمية فى تل أبيب تميل إلى دعم الخيار العسكرى، بل وتشجيع الإدارة الأمريكية على توجيه ضربات محدودة، أو شن عملية عسكرية شاملة تهدف فى نهاية المطاف إلى تغيير النظام الإيرانى. ورأى «شينكات» أن هذا الضغط الإسرائيلى قد يؤثر على قرارات واشنطن، لكنه فى الوقت نفسه يخضع لمحدودية التأثير، حيث توازن الولايات المتحدة بين ضغوط تل أبيب والمصالح الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة.وتابع: «الولايات المتحدة تمتلك كل الإمكانات لاتخاذ قرار عسكرى فى أى لحظة، مع تجهيز كامل للقوات، وذخائر وطائرات، وقوة بحرية ضاربة تشمل حاملتىّ طائرات، ما يعزز احتمالية تحول أى تصعيد سياسى إلى مواجهة فعلية. لكن واشنطن قد تضغط مجددًا على طهران لتقديم تنازلات إضافية، تشمل وقف تخصيب اليورانيوم بشكل كامل، والتحرك تجاه البرنامج الصاروخى الإيرانى، الذى يعد أحد المطالب الرئيسية لإسرائيل حاليًا».واختتم «شينكات» تصريحاته قائلًا: «التقييم الأمريكى مستمر، والقرار النهائى بشأن الحرب أو استمرار المفاوضات لا يزال مفتوحًا، والمقترحات الإيرانية قد تسهم فى تهدئة مؤقتة، لكنها لا تلغى الهدف الأمريكى الأساسى المتمثل فى الحد من قدرات إيران الصاروخية، وضمان عدم تطويرها لسلاح نووى».

زيارة مصدر الخبر