بوابة الشروق, ثقافة 23 فبراير، 2026

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب «تفكيك السلفية.. تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال» للباحث المغربي الدكتور محمد بوشيخي، في محاولة علمية لرصد المسارات التاريخية والفكرية التي عبرتها السلفية، وتحليل التحولات التي مست بنيتها وهويتها، وصولًا إلى تداخلها مع الحركات الجهادية المعاصرة.
 

رؤية تفكيكية لمسار متحول

يقدم الكتاب رؤية جديدة في دراسة السلفية ومعالجة موضوعاتها وحل إشكالاتها، عبر تفحص شفرة التحولات التي طالتها وأثرت في تركيبتها. فلا يرى المؤلف جدوى من تعريف السلفية أو البحث في ماهيتها دون تتبع مقولاتها ومساراتها التاريخية ومنعرجات تطورها.
 

 من أهل الأثر إلى ابن تيمية

يتناول الفصل التمهيدي المحطات الأساسية في تطور الفكر السني، باعتبار استيعابها شرطًا لفهم السلفية المعاصرة، بدءًا من نشأة مدرستي أهل الأثر وأهل الرأي، وما أعقب ذلك من شقاق بين المحدثين والفقهاء، مرورًا بمحنة أهل الحديث في شخص ابن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي، وصولًا إلى التشكل الملتبس للمذهب الحنبلي، ثم ظهور ابن تيمية الذي قدّمته قراءات انتقالية معاصرة بوصفه راعيًا للتطرف والجمود، بدل اعتباره رائدًا للتحرر والانفتاح.
 

المحدثون الهنود والدعوة النجدية

يتوقف الكتاب عند صعود نجم المحدثين الهنود منذ القرن التاسع الهجري، وارتباطهم بالدعوة النجدية خلال حياة الهندي محمد إسماعيل بن عبد الغني (1193-1246هـ/ 1779-1831م)، ودخول المتأثرين به إلى الحقل الديني السعودي الخاضع لهيمنة أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروفين بـ«الوهابية». وقد أتاح تقارب الانتماء العقدي تبادل الزيارات وإقامة عدد من المحدثين الهنود في الأراضي المقدسة، ما مهّد لعودة مدرسة أهل الحديث إلى مركز العالم العربي الإسلامي بعد قرون من هيمنة المذاهب الفقهية.
 

«الحديثية الإحيائية» وهزة الثوابت

يرصد المؤلف بروز جيل «المحدثين الإحيائيين» أو أصحاب «الحديثية الإحيائية»، الذين أعادوا إحياء أصول اندثرت طويلًا تحت ضغط المذاهب الفقهية والسلطة السياسية، مثل القراءة الظاهرية للنص، ووضع السنة في مرتبة القرآن، ونسخ الحديث للقرآن. وقد مثّل محمد الدهلوي ومحمد ناصر الدين الألباني أبرز رموز هذا التيار، الذي أثار إشكالات عميقة حول علاقة القرآن بالسنة، من بينها القول بحجية خبر الآحاد في العقائد وقوته في نسخ القرآن وتكفير من يرده.
 

تقاطع المسارات بين سيد قطب والألباني

يتناول الكتاب كذلك دور سيد قطب بوصفه «المثقف التصحيحي» الذي ربط الرؤية الجهادية بالأصول العقدية، مؤسسًا لمنهج تغييري قائم على «التلازم بين النمو الحركي والنمو النظري» ومرتكزاته الثلاث: رفض الفقه التقليدي، واعتبار الجهاد منتجًا للفقه، ومرحلية أحكام الشريعة.
وفي المقابل، يوضح كيف تطور خطاب الألباني في سياق التفاعل مع الواقع السياسي نحو استعارة مفاهيم «الجاهلية» و«الحاكمية» و«المفاصلة»، ما أوجد نوعًا من التطابق في تحليل الواقع والتماثل في تغييره بين الألبانية والقطبية، وأسهم في منح الأخيرة شرعية دينية داخل الأوساط الجهادية، لتبدأ عملية «التهجين» التي بلورت ما عُرف لاحقًا بـ«السلفية الجهادية».
 

من الحالة الفكرية إلى التنظيم المسلح

يشير الكتاب إلى انتقال «السلفية الجهادية» من حالة فكرية هلامية إلى حالة تنظيمية مع تأسيس «جماعة قاعدة الجهاد» عام 2000، وما أعقبه من أحداث 11 سبتمبر 2001 التي كرست وعيًا جديدًا بإمكان تحول الجهاد إلى فاعل في السياسة الدولية. لكن هذا التحول عمّق أيضًا التباينات داخل التيار بين المكون السلفي/الألباني والمكون الحركي/القطبي.
 
 

صراع القلم والسيف

وأخيراً يتناول الكتاب التحول الذي ورّط السلفية الجهادية في معترك الصراع الدولي سوف يؤدي إلى تفاقم التباينات الصميمية بداخلها بين مكونيها السلفي/الألباني من جهة والحركي/القطبي من جهة أخرى. وهو ما تجسد على مستوى الصراع الذي لم يعد مستترًا بين القيادات الشرعية المتشبعة بالسلفية والقيادات الميدانية الممتثلة للمنهج القطبي ثم انعكاس ذلك في استخفاف الجهاديين بالعلم الشرعي وإيمانهم بسمو “المقاتل” على “العالم” وأحقيته وحده في قيادة العمل الجهادي بناء على مقولة “لا يفتي قاعد لمجاهد” ذات الأصول القطبية والمستمدة من قناعته بـ”أسبقية الجهاد على الفقه” والمجسدة في قاعدته المنهجية “الجهاد منتجًا للفقه”.
إن هذه العلاقة “التصارعية” بين “الشرعي” و”الميداني” والتي تعود بواكيرها إلى فترات سابقة عن تبلور السلفية الجهادية، مَثَّل الشيخ عمر عبدالرحمن والقيادات الجهادية في الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد نموذجًا مبكرًا لها، ثم تجسدت أكثر في علاقة عبدالقادر بن عبدالعزيز كعالم شرعي بأيمن الظواهري كزعيم ميداني، وصارت أكثر وضوحًا في العلاقة بين أبومحمد المقدسي بوصفه سلطة علمية وتلميذه أبو مصعب الزرقاوي كسلطة ميدانية. حيث سيلتمس الزرقاوي وأنصاره، في إطار تنظيمهم “جماعة التوحيد والجهاد”، طريقًا إلى إنتاج فقه حركي قطبي المنهج والهوية، فأخذوا يستمدون أصوله وقواعده من حاجات ميدان القتال وتوازن القوى فيه، فتضخم حضور القطبية على حساب الألبانية في المدونة الفقهية للجهاديين حتى صاروا تحت ضغط الواقع الجهادي أكثر شراهة في تبرير طرق القتل وأكثر بشاعة في ممارستها.
ورغم جهود “التأصيل” لدى دعاة “السلفية الجهادية”، فإن عوامل الشقاق والافتراق ظلت حاضرة في جوفها بسبب التباينات القائمة بين مكونيها الأساسيين؛ السلفي/ الألباني من جهة والحركي/ القطبي من جهة أخرى. وهو ما انعكس في تطور السجال النظري داخل أوساط السلفية الجهادية نحو علاقة العلم بالعمل لضبط علاقة عالم الشريعة بالزعيم الميداني. هذا السجال الذي تناول شروط فقه الحركة داخل الجسم الجهادي كان يشهد على التباين في موقف تياريه الرئيسيين من فكر سيد قطب ومنهجه؛ التيار التقليدي ممثلًا بالزعامات الدينية للسلفية الجهادية والقائم على التراث السلفي ومنهج الحديثية الإحيائية على طريقة الألباني والمكتفي بفكر قطب عند مستوى التوظيف الثوري لمفرداته، و”التيار السلفي الجديد” بحسب تسمية أبو قتادة الفلسطيني أو “التيار الفصامي” كما سماه غريمه أبو محمد المقدسي ممثلًا أساسًا في القيادات الميدانية لتنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي أعلن الخلافة عام 2014 ولا يزال يعرف إعلاميًا بـ”داعش”، وهو التيار الذي زوَّد منظومته السلفية بمنهج سيد قطب التغييري القائم على “التلازم بين النمو الحركي والنمو النظري” بقواعده الفرعية الثلاث، وما يرتبط به من تبعات على مستوى تمثل الفقه وإدارة القتال.
فانتهى “التنظير السلفي” في كتابات سيف الدين الأنصاري وأبوسعد العاملي والأوراق التأسيسية لتنظيم داعش، إلى احتضان المنهج القطبي على حساب منهج الألباني القائم على “التصفية والتربية”، وبالتالي إقرار سمو القيادات الميدانية على حساب القيادات الشرعية لكن ليس فقط كأمر واقع تبيحه الضرورة الميدانية كما كان الأمر سلفًا، إنما كاجتهاد فقهي تفرضه النوازل الجهادية.
وكل هذا سيخضع لمستجدات ساحات القتال التي عمَّقت أكثر الشرخ بين “حامل القلم” و”حامل السيف” في منظومة السلفية الجهادية حتى أضحى غير المختص في الشريعة يجتهد في التأصيل الشرعي للرؤية الجهادية؛ وهذا ما تجسد عبر عاملين اثنين، هما: “القطيعة الشرعية” التي ولَّدت ما عبَّر عنه الكتاب بمقولة “الجهادي فقيه نفسه” ثم “التوسل بالمرجعية” (Appeal to Authority) التي حلَّت محل “مناط الحكم الشرعي” في اجتهاد الجهاديين؛ وهذا أمر يتضح أكثر في حالة المجندين في المجتمعات الغربية ومن التحق منهم بقوافل “الذئاب المنفردة”.
 

عن الكاتب محمد بوشيخي

جدير بالذكر أن الكاتب محمد بوشيخي باحث مختص في الإسلام السياسي وقضايا التطرف والإرهاب، حاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات السياسية من «مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية» بباريس (EHESS)  نشر له عدة أبحاث حول إشكاليات الإيديولوجيا والدين، والدولة المدنية، وتحديات الحداثة، والمؤسسة الدينية، والتعليم الديني، والنسوية الإسلامية، وغيرها. كما أعد دراسات وتقارير تناولت الصراعات الجيوسياسية والتطورات الأمنية المرتبطة بالمد الجهادي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومواقع أخرى عبر العالم.

زيارة مصدر الخبر