اليوم السابع, ثقافة 28 فبراير، 2026

فى ديوان “تجرحنى بخفة.. وتعلو” للشاعر جمال القصاص نقف أمام كتابة تمتحن هشاشتها بجرأة، وتحوّل انكساراتها إلى نبرة عالية لا تستجدى التعاطف، وإنما تُشيِّد من الألم بنية جمالية مكتفية بذاتها. العنوان ينهض كعتبة دلالية كثيفة: جرحٌ بخفة، وعلوٌّ فى آن. إننا بإزاء مفارقة دقيقة، تُحرِّر الجرح من فجاجته، وتنزعه من فم الألم، ليغدو نغمة، إيماءة، أثرًا شفيفًا يصعد كما تصعد الموسيقى من وترٍ مقطوع.

منذ القصيدة الأولى، “كن لص نفسك”، يضعنا الشاعر أمام مساءلة وجودية لا تستند إلى خطاب مباشر، لكنها تسعى إلى تفكيك هادىء للذات وهى تواجه عريها الداخلي:

“ماذا فعلت فى هذه الحياة
لا شيء يحرس عُرْيَكَ
يؤنس وَحدتك
يضع شمعة صغيرة فوق الرف.”

تتجلّى هنا سمة أساسية من سمات الديوان: الاقتصاد اللغوى المشحون بطاقة إيحائية عالية. لا استعارات مترفة، لا زخارف لفظية فائضة، كل ما هنالك جملة مقتضبة تشبه طعنة رقيقة. العرى ليس صورة جسدية، إنه انكشاف المعنى حين يتخلّى عنه حراسه. والشمعة الصغيرة فوق الرف ليست تفصيلة منزلية عابرة، إنها استعارة الضوء الواهن الذى نحاول تثبيته فى مواجهة العتمة المتكاثفة.

سامح قاسم يكتب: “تجرحنى بخفة.. وتعلو”.. المحبة فى مختبر اللغة وتحولات المعنى

تجرحني بخفة

يتحرك الديوان الصادر عن دار بتانة فى مساحة تتقاطع فيها العزلة بالمدينة، والحب بالسلطة، واللغة بحدودها القصوى. حين يقول الشاعر:

“الملائكة غادروا الطبق
والنساء أيضا
وحدها العصافير ترتجل المشهد”،

فإنه لا يعلن غياب البراءة والحب فحسب، وإنما يشيّد مشهدًا رمزيًا تتراجع فيه الكيانات الكبرى، لتحضر كائنات صغيرة، عفوية، ترتجل الحياة كما لو أنها تعيد اختراعها فى كل لحظة. العصافير هنا ليست عنصرًا زخرفيًا، إنها البديل الهشّ عن أنظمة اليقين التى انسحبت.
تتسم قصائد الديوان بوعى حاد بطبيعة الزمن، وبالإحساس بأن الأعوام تمضى فى دوائر مغلقة. فى مقطع آخر نقرأ:

“كل يوم أبتكر الحنين
أضعه فى البرواز”

الحنين يتحول إلى صورة مؤطرة، إلى أثر يمكن تعليقه وتأمله. إننا أمام محاولة لإخضاع الشعور للفعل الجمالي، لتثبيت ما يتفلّت. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن توثيق المحبة حقًا، أم أن التوثيق نفسه علامة فقدانها؟
الذات الشاعرة هنا تكتب من داخل فوضى العالم، حيث تتعثر النصوص فى إشارات المرور، وتُسلَّم للشرطى كى لا تُكبل حريتها، كما يقول فى قصيدة أخرى:

“نصى عَلِقَ فى إشارة المرور
تركته فى يدى الشُرطي”.

المشهد يحمل سخرية خفيفة، غير أن خلف هذه الخفة يقيم إدراك عميق بعلاقة الشعر بالسلطة، وبمحدودية حركته داخل نظام يضبط الإيقاع العام للحياة. النص كائن قابل للاحتجاز، والشاعر يفاوض حريته بلغة مبتسمة، تومئ ولا تصرح.
فى هذا الديوان، لا تُقدَّم الذات بوصفها بطلة مأساوية، وإنما ككائن عابر يحاول أن يثبت ظله على جدار سريع التصدّع. فى مقطع آخر يقول:

“سأتذكر أننى حاولت أن أكون هنا
أن تلتصق الأرض فى قدمى كجبيرة”.

الوجود يتحول إلى محاولة، إلى سعى لتثبيت القدم فى أرض لا تكف عن الانزلاق. الجبيرة صورة للإصابة، ووسيلة للتماسك فى آن. هكذا تتكثف فلسفة الديوان: الإنسان مصاب بالزمن، ومع ذلك يصرّ على الوقوف.
تنبنى تجربة “تجرحنى بخفة.. وتعلو” على جدلية دقيقة بين الواقعى والمتخيل، بين اليومى والرمزي. من منفضة سجائر، من حفرة عرجاء، من صرخة فأر، يمكن أن تولد القصيدة. هذه الرؤية تمنح الأشياء المهملة كرامتها الشعرية، وتعيد ترتيب العالم من أسفل، من الهوامش التى يتجاهلها السرد الكبير. اللغة هنا ليست أداة وصف، إنها حقل تجريب، مختبر دائم يعيد اختبار العلاقة بين الكلمة وجسدها، بين الصورة وظلها.

img

سامح قاسم

الجرح فى هذا الديوان ليس حادثة طارئة، إنه حالة مستمرة، موسيقى خفية تصعد من القاع. وحين تتكرر العبارة:

“هى نفس الموسيقى
تجرحنى بخفةٍ.. وتعلو”،

ندرك أن العلو لا يعنى النجاة الكاملة، وإنما يعنى القدرة على تحويل الألم إلى إيقاع. الشعر، فى نهاية المطاف، هو هذه القدرة على رفع الجرح درجة أعلى، على إنقاذه من السقوط فى الابتذال، وعلى منحه هيئة نغمة باقية.
من هنا تأتى أهمية هذا الديوان فى سياق التجربة الشعرية المعاصرة؛ فهو يأتى من داخل الانكسار، ويستثمره، ويحوّله إلى بنية جمالية مشحونة بالنظر الطويل والسخرية والحنين. كتابة تتخفف من الضوضاء، تراهن على الصورة الخاطفة، وتثق فى قوة الجملة القصيرة حين تتشكل بعناية. إننا أمام شاعر يمتحن هشاشته علنًا، ويحوّلها إلى طاقة إبداعية تجرح بخفة، ثم تعلو فى فضاء اللغة.
يتأسس ديوان “تجرحنى بخفة.. وتعلو” للشاعر جمال القصاص على وعى حادٍّ بالذات وهى تتآكل تحت ضغط الزمن، وتعيد تركيب نفسها عبر اللغة. فى هذا الأفق، لا تظهر الأنا متماسكة أو مطمئنة، وإنما ككيان قلق، متشظٍّ، يحاول أن يعيد تعريف موقعه داخل عالم سريع الانزلاق. إننا أمام كتابة لا تبحث عن بطولة شعرية، وإنما تنقب فى مناطق الضعف، وتمنح الهشاشة شرعيتها الجمالية.
فى “كن لص نفسك” يرد مقطع كاشف عن هذا المنحى:

“بالأمس كنت تأخذها تحت جناحيك
ريشها الأخضر يبعثر الندى تحت القميص
وفوق العشب”.

الصورة تنطوى على حميمية عالية، غير أن هذه الحميمية مشوبة بإحساس الفقد. الفعل فى صيغة الماضى يشى بانقطاع، بانزياح لحظة كانت ممكنة. الريش الأخضر يبعثر الندى تحت القميص، أى أن الطبيعة تتداخل مع الجسد، وأن البراءة كانت قريبة من الجلد. المشهد يلمّح إلى زمن صفاء مضى، ويؤكد أن الحاضر يجيء محمّلًا بفراغ لا يُردم بسهولة.

تتجلى الذات فى الديوان ككائن يختبر سقوطه دون أن يتخلى عن حسّ اللعب. يقول الشاعر فى موضع آخر:

“لم تفلح أصابع الماريونيت
فى تغيير الدفة
ربما يخلع الحر جوربه
يستعيد براءة الشطوط”.

الماريونيت رمز للتحكم الخفي، للأيدى التى تحرك الإنسان من وراء ستار. اعتراف الشاعر بعدم جدوى هذه الأصابع يفضح وهم السيطرة. لا أحد ينجح فى تغيير الدفة بالكامل، ولا أحد يمتلك زمام المعنى على نحو مطلق. ومع ذلك، يظل الاحتمال مفتوحًا: ربما يخلع الحر جوربه، ربما يستعيد براءة الشطوط. الاحتمال هنا هو طاقة المقاومة، وهو المساحة التى تتيح للذات أن تواصل الحلم رغم إدراكها لقسوة الواقع.
الهشاشة فى هذا الديوان لا تُقدَّم كعار، وإنما كحقيقة وجودية. فى مقطع آخر من القصيدة نفسها نقرأ:

“ربما نحلم ببداية أخرى
فى هذه السن الطائشة المجنونة
ربما تعرف النهايات كيف تُسند القلب
توهمه بسعادة مؤجلة”.

يتعامل الشاعر مع العمر بوصفه طورًا مضطربًا، حتى لو تجاوز زمن المراهقة البيولوجية. السن الطائشة هى حالة داخلية، ارتباك دائم بين الرغبة والخبرة. والنهايات التى تُسند القلب توحى بمفارقة مؤلمة؛ النهاية، التى يفترض أن تكون خاتمة، تتحول إلى دعامة نفسية، إلى وعد بسعادة مؤجلة. هنا تتقاطع الفلسفة بالشعر: الإنسان يتكئ على أوهامه كى يواصل السير.
من جهة أخرى، تتكشّف الذات فى علاقتها بالزمن عبر سؤال يظل معلقًا فى الهواء:

“هل بدأنا إذن
هل انتهينا؟!”

السؤال مزدوج، يحمل ارتباك البداية والنهاية فى آن. لا يقين فى نقطة الانطلاق، ولا وضوح فى لحظة الخاتمة. هذه الحيرة الزمنية تعمّق شعور الانفصال عن مسار خطى واضح، وتجعل الحياة سلسلة من المحطات الملتبسة. الذات تتحرك داخل دائرة، تبحث عن لحظة يقين لا تأتي.
تُظهر هذه المقاطع أن القصاص يشتغل على إعادة تعريف مفهوم القوة. القوة هنا لا تتمثل فى الصلابة، وإنما فى القدرة على الاعتراف بالضعف دون انهيار. الأنا التى تتساءل، التى تحلم ببداية أخرى، التى تتأمل النهايات وهى تُسند القلب، هى أنا تعى هشاشتها وتحوّلها إلى مادة للكتابة. إننا بإزاء شعر ينحاز إلى المنطقة الرمادية، إلى ما بين اليقين والشك، بين الرغبة والعجز.
تتخذ المحبة مسارًا مركّبًا، فى هذا الديوان، فهى ليست عاطفة مستقرة ولا يقينًا وجدانيًا خالصًا، وإنما تجربة تُخضع نفسها للتشريح، وتدخل مختبر اللغة كى تعيد تعريف حدودها. الحب هنا لا يأتى بوصفه حكاية مكتملة، إنما يُقدَّم كحالة اختبار دائم، كتجربة تتبدل ملامحها كلما حاولت الذات الإمساك بها.
فى مقطع آخر من الديوان يقول الشاعر:

“كان هنا أصدقاء
كنت تعرف كيف تسقط الورقة
تنفض رقصتها الأخيرة
فى كف الخريف
وتمضي”.

المحبة ترتبط بالذاكرة الجمعية، بالأصدقاء، وبفعل السقوط الهادئ للورقة. الخريف لا يظهر كفصل فناء محض، وإنما ككفٍّ يحتضن الرقص الأخير. هذه الصورة تمنح الفقد مسحة جمالية، وتجعل الانتهاء حركة راقصة لا انهيارًا فجائيًا. إن الشاعر يعيد تأويل الخسارة، ويمنحها إيقاعًا يجعلها قابلة لإعادة النظر.

وفى القصيدة نفسها نقرأ:

“لم ينضج الخطأ فى أوانه
لم يسقط كثمرة نيئة من شرفة الحلم”.

هنا تتخذ العلاقة طابعًا نقديًا. الخطأ لم ينضج، أى أن التجربة لم تبلغ وعيها الكامل. الثمرة النيئة تسقط قبل أوانها، والحلم يتحول إلى شرفة عالية تُطل على سقوط مبكر. الصورة تكشف أن الحب فى هذا الديوان لا يُعفى من المساءلة؛ هناك اعتراف بالتعجل، بالاندفاع، وبالأخطاء التى لم تُعطَ زمنها الكافى للنضج.
تتعمق هذه الرؤية فى قصيدة أخرى حيث يرد:

“فى كل الأحوال سيلزمنى بعض السدود والأسوار
سأعيد اختبار الغابة
ربما أفهم كيف احترقت الأشجار والأنهار فى حرفين”.

المحبة تُقارَب عبر استعارة الحرية، ثم تُربط بالسدود والأسوار. العلاقة تحتاج إلى حدود، إلى وعى بمساحات الاحتراق. الغابة تحترق فى حرفين، فى كلمة مكثفة قد تختصر تاريخًا كاملًا من الاشتعال. هذه الرؤية تمنح اللغة سلطة كبرى؛ الكلمة قادرة على إشعال الغابة، وقادرة على إخمادها فى آن.
يستمر هذا التدبر فى طبيعة المحبة من خلال تفكيك علاقتها بالتاريخ والذاكرة. يقول الشاعر:

“أحيانا يضعونها فوق منضدة التاريخ
أو على طاولة التشريح
ينصتون للأيام وهى تشبهكِ”.

الحب موضوع للتاريخ، مادة للتشريح، حالة قابلة للفحص والتحليل. الصورة الطبية تضيف بعدًا قاسيًا: العاطفة تُوضع على طاولة، تُفحص، تُقاس نبضاتها. غير أن الشاعر يعيدها إلى بعدها الزمنى الحميم، حين يجعل الأيام نفسها تشبه المحبوبة. الزمن يتأنسن، ويتخذ ملامحها، فيغدو العبور اليومى مرآة لعلاقة داخلية لا تنتهي.
فى موضع آخر من الديوان، تتخذ المحبة طابعًا تهكميًا خفيفًا:

“دائما تتعثر فى إشارة المرور
دائما تخطفنا
“من أعلى بمحاذاة الموسيقى”.

التعثر فى إشارة المرور يحيل إلى اصطدام الحب بنظام العالم، بقوانينه الصارمة. غير أن الخطف من أعلى بمحاذاة الموسيقى يعيد للمحبة بعدها التحليقي. إنها تسقط فى اليومي، ثم ترتفع فجأة، تخطف العاشقين إلى مستوى آخر من الإحساس.
من خلال هذه المقاطع، يتضح أن القصاص لا يتعامل مع الحب كحقيقة بسيطة. إنه يضعه تحت مجهر الشك، يعاين عثراته، يستعيد لحظات جماله، ويتركه مفتوحًا على احتمالات متعددة. المحبة فى هذا الديوان تجربة وجودية كاملة، تتداخل فيها الذاكرة بالخطأ، والاحتراق بالتحليق، والسقوط بالموسيقى.
بهذا المعنى، يتحول الحب إلى مرآة أوسع لحال الإنسان المعاصر: رغبة فى الحرية، حاجة إلى حدود، توق إلى التحليق، ووعى دائم بقابلية الاحتراق. اللغة تصبح المجال الذى تُختبر فيه هذه التناقضات، والذى تُعاد فيه صياغة العلاقة بين القلب والعالم.
يصل ديوان “تجرحنى بخفة.. وتعلو” للشاعر جمال القصاص إلى قارئه كما تصل موسيقى بعيدة فى مساءٍ ملبّد؛ لا تفرض نفسها بالقوة، ولا تنسحب فى هدوء كامل، وإنما تظلّ معلّقة فى الهواء، تتردد بين الأذن والذاكرة. إننا أمام تجربة شعرية تراهن على الخفة بوصفها تقنية جمالية، وعلى العلوّ بوصفه أفقًا روحيًا، دون ادعاء خلاص نهائى أو يقين مطلق.
ما يميّز هذا الديوان أنه لا يكتب الألم فى صورته الخام، وإنما يعيد صوغه داخل بنية لغوية متقشفة، كثيفة، مشغولة على إيقاع داخلى هادئ. الجرح هنا ليس صدمة صاخبة، إنه أثرٌ رفيع يمرّ عبر اللغة، يتخفف من دمه، ويصعد كأنه يتحول إلى نغمة. ومن هذا التحول تنبع قوة النصوص؛ فهى لا تتوسل الشفقة، ولا تنخرط فى خطاب بكائى مباشر، وإنما تمنح القارئ فرصة أن يشارك فى إعادة تركيب المعنى.
على امتداد الديوان، تتقاطع العزلة بالمحبة، والمدينة بالذاكرة، والسخرية بالوجع. الذات الشاعرة لا تدّعى تماسكًا صلبًا، ولا تعرض نفسها ككيان مكتمل، بل تظهر فى هيئة كائنٍ يختبر انكساراته، يعترف بارتباكه، ويحاول أن يجد لنفسه موضع قدم فى أرضٍ تميد. هذا الاعتراف يمنح النصوص صدقًا داخليًا، ويجعلها قادرة على ملامسة خبرات إنسانية مشتركة دون الوقوع فى التعميم الخطابي.
تتجلّى فى الديوان أيضًا حساسية خاصة تجاه التفاصيل الصغيرة: إشارة المرور، منفضة السجائر، الغبار، العصافير، الوسادة. هذه العناصر اليومية تتحول إلى بؤر دلالية، إلى مفاتيح لفهم عالم أكبر. الشاعر يعيد ترتيب المشهد من الهامش، يمنح الأشياء المهملة حقها فى الظهور، ويصنع من العابر مادة لإعادة النظر. فى هذا المسعى تتبدى نزعة حداثية واضحة، ترى فى اللغة أداة كشف وإعادة خلق، لا وسيلة وصف فحسب.
ومع ذلك، لا يخلو الديوان من مناطق يمكن النظر إليها نقديًا. أحيانًا يقترب بعض المقاطع من التكرار الدلالى فى الاشتغال على مفردات العزلة والفراغ، وأحيانًا تميل بعض الصور إلى تجريد قد يباعد بينها وبين التجربة الحسية المباشرة. غير أن هذه السمات تأتى ضمن مشروع جمالى واعٍ بطبيعته التأملية، ومؤمن بأن القصيدة مساحة اختبار مستمر، لا معادلة جاهزة.
الأهم أن الديوان ينجح فى الحفاظ على خيط داخلى يربط نصوصه جميعًا: الإحساس بأن الحياة تجربة مؤقتة، وأن الكتابة محاولة لتثبيت أثر فى هواء سريع التبدل. الشاعر لا يقدّم حلولًا، ولا يرفع شعارات، وإنما يفتح نوافذ صغيرة، يترك عبرها الضوء يتسلل بقدر ما يسمح به الجدار. فى هذه النوافذ تكمن قوة التجربة؛ إذ تتحول القصيدة إلى ملاذ مؤقت، إلى عزلة مشتركة بين الشاعر وقارئه.
إن “تجرحنى بخفة.. وتعلو” ليس ديوانًا يحتفى بالانتصار، ولا يسعى إلى تمجيد الهزيمة. إنه عمل يختبر المنطقة الواقعة بينهما، حيث يتجاور السقوط والرغبة فى التحليق. ومن خلال هذا التوتر الخلاق، يصوغ جمال القصاص نصوصًا تظل قابلة لإعادة القراءة، لأن جرحها لا يندمل بسرعة، ولأن علوّها لا ينفصل عن أرضٍ تمشى فوقها الكلمات بحذر.

زيارة مصدر الخبر