تمر، اليوم، ذكرى نشوب حرب الأفيون الثانية، حيث بدأت بريطانيا وفرنسا الحرب على الصين، وكانت خلال السنوات من 1856 حتى 1860، وكانت لها نفس دوافع حرب الأفيون الأولى، وفي ضوء ذلك نستعرض قصة الخلاف من البداية.
حسب ما جاء في كتاب “تاريخ الدول والإمبراطوريات الصينية” من تأليف أسامة الجوهري، لجأت بريطانيا إلى دفع إحدى شركاتها، وهي شركة الهند الشرقية البريطانية (East India Company) التي كانت تحتكر التجارة مع الصين إلي زرع الأفيون في المناطق الوسطي والشمالية من الهند وتصديره إلى الصين كوسيلة لدفع قيمة وارداتها للصين.
من تجارة الأفيون إلى الإدمان
تم تصدير أول شحنة كبيرة من الأفيون في عام 1781، وقد لاقت تجارة الأفيون رواجًا كبيرًا في الصين، وازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين وبدأت بشائر نجاح الخطة البريطانية في الظهور، إذ بدأ الشعب الصيني في إدمان الأفيون، وبدأ نزوح الفضة من الصين لدفع قيمة ذلك الأفيون.
وبدأت مشاكل الإدمان تظهر على الشعب الصيني، مما دفع بالإمبراطور يونج تيكينج Yong Tcheng في عام 1729م لإصدار أول مرسوم بتحريم استيراد المخدرات.
غير أن شركة الهند الشرقية البريطانية لم تلتفت لهذا المنع، واستمرت في تهريب الأفيون إلى الصين.
تصاعدت حركة التهريب للأفيون إلى الصين بصورة تدريجية حيث لم يهرب إليها في عام 1729م سوى 200 صندوق تحوي 608 كيلوجرامًا من الأفيون، قدرت تكلفتها بخمسة عشر مليون دولارًا، ثم في عام 1792م وصلت المهربات إلى 4000 صندوق حوت 272 طنًا.
قرار الحظر والمواجهة المباشرة
انزعجت الصين لهذه الظاهرة وللخطر الذي يمثله تعاطي الأفيون الواسع علي صحة المواطنين، والذي يسبب تدمير المجتمع الصيني فقد كان الصيني يبيع أرضه ومنزله وزوجته وأولاده للحصول على الأفيون لذلك أصدر الامبراطور الصينى قرارا آخر أشد وطأة بحظر استيراد الأفيون إلى الامبراطورية الصينية، بل وذهبت الامبراطورية إلى أبعد من ذلك عندما ذهب ممثل الامبراطور إلى مركز تجارة الأفيون وأجبر التجار البريطانيين والأمريكيين علي تسليم مخدراتهم من الأفيون الذي بلغ ألف طن، وقام بإحراقه في احتفالية كبيرة شهدها المناوئون لهذا المخدر.
لقد كتب الامبراطور الصيني إلى الملكة فيكتوريا الملكة المتحضرة التي تمنع زراعة أو تداول الأفيون في بلدها هي متوقعا أن تنضم إليه.
سرعان ما أتاه الرد من بريطانيا على صورة بوارجها المسلحة، فقد كلفت الملكة قواتها بغزو الصين لتبدأ حروب الأفيون، أطلق الإنجليز مدافعهم على المدن الصينية التي كان في وسعهم أن يصلوا إليها من الشاطئ وأرغموا الصين على طلب الصلح باستيلائهم على مصب القناة الكبيرة عند شنكيانج، ولم تذكر معاهدة نانكنج أي شيء عن الأفيون.
من حرية التجارة إلى دبلوماسية المدافع
عندها قررت بريطانيا وكانت في أوج قوتها في ذلك الوقت إعلان الحرب على الصين لفتح الأبواب من جديد أمام تجارة الأفيون للعودة من جديد، وبحث البريطانيون عن ذريعة لهذه الحرب غير الشرعية وغير الأخلاقية، فهداهم تفكيرهم إلى شعار جديد هو (تطبيق مبدأ حرية التجارة) في ذلك الوقت كانت بريطانيا قد خرجت منتصرة على منافسيها من الدول البحرية في حروب نابليون، وقامت الثورة الصناعية فيها، وأصبحت الدولة الرأسمالية الأقوي في العالم، فلجأت إلى فتح أسواق لتصريف منتجاتها الصناعية والبحث عن مصادر رخيصة للمواد الأولية التي تحتاجها لصناعاتها، وكان النظام العالمي في ذلك الوقت يقوم على مبدأين هما حرية التجارة ودبلوماسية السفن المسلحة.
أرسلت بريطانيا في عام 1840م سفنها وجنودها إلى الصين: لإجبارها على فتح أبوابها للتجارة بالقوة.
استمرت حرب الأفيون الأولى عامين من عام 1840 إلى عام 1842، واستطاعت بريطانيا بعد مقاومة عنيفة من الصينيين احتلال مدينة دينج هاي في مقاطعة شين جيانج، واقترب الأسطول البريطاني من البوابة البحرية لبكين.
دفع ذلك الإمبراطور الصيني للتفاوض مع بريطانيا وتوقيع اتفاقية نان جنج في أغسطس 1842.