في واحد من الإصدارات المهمة التي صدرت حديثا عن المركز القومي للترجمة، يطل كتاب “كتابة المذبحة.. أشكال تناول صبرا وشاتيلا” بوصفه عملا بحثيا وإنسانيا يضع الأدب في مواجهة واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في تاريخنا العربي الحديث.
الكتاب من تأليف الباحثة سمية ممدوح الشامي، وترجمة نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي، ومراجعة عمرو زكريا عبد الله، في عمل تتكامل فيه الجهود ليصل إلى القارئ العربي بدقة ووعي نقدي.
يقدم الكتاب دراسة مقارنة لتمثيل مجزرة صبرا وشاتيلا في طيف واسع من النصوص الأدبية والنثرية والنقدية التي كتبها أدباء ومفكرون أمريكيون وبريطانيون وفرنسيون وعرب، سواء في أعقاب الحدث مباشرة أو بعد مرور عقود عليه.
وهو لا يكتفي بتتبع ما كتب، بل يتوغل في السؤال الأعمق: كيف نحكي عن المذبحة؟ كيف تروى الفاجعة دون أن تختزل، وكيف تتحول اللغة من مجرد أداة سرد إلى مساحة مقاومة للطمس والنسيان؟
يمضي الكتاب إلى تحليل الأعمال الأدبية المرتبطة بالحدث، بوصفها جزءا من تاريخ مواز، تاريخ يكتب بالحساسية والوجدان بقدر ما يكتب بالوقائع.
فيكشف الخصائص الأسلوبية التي فرضها موضوع الكتابة، من توتر اللغة، إلى انكسار السرد، وإلى تعدد الأصوات، دون أن يغفل ما يميز كل نص عن غيره من حيث الرؤية والبناء والرهان الجمالي.
وهكذا يصبح الأدب شاهدا آخر على المأساة، لا يقل أثرا عن الوثيقة التاريخية.
ويكتسب العمل بعدا خاصا من كونه يقوم على آخر رسالة علمية أشرفت عليها الأكاديمية والأديبة الراحلة رضوى عاشور، والتي نوقشت في ٧ سبتمبر، قبل رحيلها في ٣٠ نوفمبر ٢٠١٤ بشهرين فقط؛ وكأن الكتاب يحمل في صفحاته أثر تلك اليد التي آمنت دوما بأن الأدب موقف ومعرفة في آن.
هنا، تتحول الكتابة من فعل سرد إلى فعل وفاء، ومن دراسة نقدية إلى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانيتنا.
لأن بعض المآسي لا تموت بانتهاء زمنها، بل تموت فقط حين نتوقف عن روايتها، وما دامت الحكاية تحكى، فالضحايا لم يهزموا بعد.
بوابة الشروق, ثقافة
3 مارس، 2026